الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتقنوانين المنتديالتسجيلمدونة مجالس الوفاءدخول
ابرئ نفسي انا صاحب الموقع ، امام الله وامام جميع الزوار والأعضاء ، على مايحصل من تعارف بين الأعضاء او زوار على مايخالف ديننا الحنيف ، والله ولي التوفيق

شاطر | 
 

  سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 2:50 pm




القسم الأول


1 - مرشح ليصبح نابليون





- لا ترش الرذاذ على ثوبي يا شتيرنر! أنت لا تجيد التجذيف.

- طبعاً, لدى النساء عادة تبرز عندما يتوجهن إلى نزهة في القارب, وهي أن يرتدين ثوباً مصنوعاً من تلك المادة التي يترك رذاذ الماء عليها بقعاً لا تمحى.

- أنت تستعير هذه الفكاهة من قصة "ثلاثة في القارب" لجيروم جيروم.

- أنت واسعة الإطلاع جداً, أيتها الآنسة. أنا لست مذنباً في أن جيروم قام بهذه الملاحظة قبلي. الحقيقة تبقى حقيقة, ولو أن المسافرين في الزورق كانوا خمسة لا أربعة.

ردت إيما فيت من مقعدها:

- نحن أربعة فقط.

أجاب شتيرنر:

- أيتها اللعبة الرائعة ذات الشعر الأجعد الذهبي لقد كان الراكب الرابع في زورق جيروم كلباً, أما الراكب الأول في قاربنا فهو كلبي فالك...

- لماذا هو الراكب الأول؟

- لأنه عبقري. فالك! ناولْ منديل الأنف للآنسة فيت, فهي قد أوقعته, كما ترى.

قفز فالك كلب الصيد الأبيض الجميل بحذاقة وناولها المنديل, فضحك الجميع.

قال شتيرنر بخيلاء:

- ها أنت ذي تشاهدين! تزوجيني يا آنسة غليوك! وسنفتتح معك سيركاً للكلاب الضالة, فأقوم بعرض عجائب الترويض وأنا ألبس باروكة المهرج الشقراء, في حين تجلسين عند الصندوق. ولك أن تتخيلي فقط هذه الحياة المسالمة الرغيدة: الجمهور يتقاطر إلينا من كل حدب وصوب, والكلاب ترقص, والنقود تخشخش في الصندوق ... وبعد الحفلة سنولم مائدة في مجتمع أخلص وأبهى الأصدقاء من ذوي الأربع. عظيم! هذا أكثر تسلية بكثير من العمل لدى كارل غوتليب.

- أشكرك, لكني لا أحب حياة التشرد.

- هم ... أنا أمثل لك كمية تافهة جداً بوجود رأسمالك.

سألتْ إلزا غليوك في حيرة:

- بوجود رأسمالي؟

- لماذا تتعجبين؟ أنت تتظاهرين كما لو أنك لا تعرفين رأسمالك. إنه شعرك العجيب المميز لفينوس تيتسيان ... أليس هذا اللون طبيعياً؟.. لا تلبسي وجهك الاستياء. أنا أعرف أنه طبيعي. أما النساء التيتسيانيات, كما تعرفون, فقد صبغن شعورهن بمركب خاص. حتى إن وصفة هذا المركب قد حفظت في مكان ما. وهكذا ترون, فإن جميلات العالم اللواتي ألهمن ريشة تيتسيان, قد كوَّن صنعياً ذلك الذي قامت الطبيعة الكريمة بإعطائك إياه دون تقديم وصفة ... أما عيناك الزرقاوان مثل الهاوية السماوية! فإنهما طبعاً, ليستا ملونتين صنعياً أبداً...

- كفاك...

- أسنانك, عقد لؤلؤ...

- بعد ذلك يأتي وصف الشفتين المرجانيتين, أليس كذلك؟ من الممكن التفكير بأنك لست سكرتيراً لصيرفي مضجر, وإنما مندوب تجاري متجول لدى شركة مجوهرات. لذا فأنا سأدفع لك, أيها الثقيل, لأجل هذه المجاملات الجواهرية! أما وجهك الطويل, وأنفك الطويل, وشعرك الطويل, وذراعاك الطويلتان فهي طبعاً حقيقية؟

- وأنت أيعجبك أكثر كل شيء مدور؟ مثل ذلك الوجه المدور لدى أوتو زاوير, وهاتان العينان المدورتان, ومن الجائز, ذلك الرأسمال المدوَّر الذي سيتكوَّن بعد عشر سنوات...

نطقت إلزا غليوك والسخط في صوتها:

- لقد أوصلت الكلام إلى حد الدناءة.

تكلم زاوير المستشار القانوني للصيرفي غوتليب:

- من فضلك, لا تحسب الرأسمال في جيوب الآخرين.

كان زاوير منحرف المزاج خلال حديث شتيرنر مع إلزا, وشق صامتاً الماء المتورد بأشعة الشمس الغاربة بمجذافين طويلين.

شعر شتيرنر حقيقة أنه مضى بعيداً في نكاته, لذا أخذ يتكلم بجدية أكبر.

- المعذرة أنا لم أرد الإساءة لأحد. أردت القول فقط إنه في الحب, كما في كل الأمور, يوجد القانون ذاته, قانون الصراع من أجل البقاء, والأقوى سينتصر. فذكور الأيائل تخوض صراعاً حتى الموت, في حين تصبح الأنثى ذات القرون والقوائم الأربع من نصيب المنتصر. ومن هو الأقوى في مجتمعنا؟ إنه ذلك الذي يملك رأسمالاً.

التفت شتيرنر نحو إلزا.

- تخيلي يا آنسة, كما لو أنني أصبحت غنياً فجأة, مثل كريز. لا, أكثر غنى. مثل رب العمل المحترم كارل غوتليب. عندئذ, من المحتمل, ألا يبدو وجهي طويلاً إلى هذا الحد في عيون النساء.

أجابت إلزا مبتسمة:

- سيبدو أكثر طولاً.

قال شتيرنر بعدم ارتياح:

- آ! هذا لأنك حرة في الاختيار حسب ذوقك حتى في وسط من أشباه غوتليب, بسبب امتلاكك لهذا الرأسمال من الجمال. وما الذي سيبقى لنا لنعمله, نحن الحثالة التافهة, المؤلفة من مختلف السكرتيرين والسكرتيرات, الذين يقفون قريباً من طاولة المأدبة, لكنهم مضطرون لالتقاط الفتات الساقط فقط, وهم يبتلعون ريقهم, ويشاهدون كيف يثمل الآخرون من كل خيرات الحياة؟

قالت فيت:

- يالها من كلمات قبيحة لديك يا شتيرنر!

تابع شتيرنر:

- المعذرة, فأنا سأعير قاموسي اللغوي اهتماماً في غاية الجدية ... النزاهة: هذا هو عيبنا الذي يستغله من هو أعلى منا, قال هايني ذات مرة: "النزاهة شيء رائع إذا كان الجميع من حولي نزهاء, وأنا النصاب الوحيد بينهم", ولكن بما أن حولي كتلة متراصة من المحتالين أيضاً, طبعاً الحديث لا يجري عن الموجودين, فإنه كي أمتلك السعادة...

ونظر إلى إلزا غليوك([1]) نظرة ذات معنى.

- ... من الواضح أنه علي أن أصبح ذلك النصاب الخارق, الذي يبدو جميع المحتالين الباقين أشخاصاً فاضلين بالمقارنة معه.

تدخل أوتو زاوير في الحديث مجدداً:

- أنت اليوم ترفه عن السيدتين ترفيهاً فاشلاً إلى حد ما يا شتيرنر, إذ تكتسب مزحاتك مسحة قاتمة جداً.

سأل شتيرنر آلياً:

- آ؟

ثم سحب رأسه فجأة وصمت, فأصبح وجهه شيخوخياً, إذ ظهرت ثنية عميقة بين حاجبيه. وبدا غارقاً في تفكير عميق, كما لو أنه يحل مسألة ما صعبة.

وضع فالك إحدى قوائمه على ركبته ونظر بانتباه إلى وجهه.

ربض المجدافان في يدي شتيرنر دونما حراك, وقطرات المياه الحمراء مثل الدم تسيل منهما دون انقطاع تحت أشعة الشمس الغاربة.

ارتعشت إلزا غليوك فجأة وهي تشاهد وجه شتيرنر الذي شاخ فوراً, وحولت نظرها إلى زاوير كما لو أنها تبحث عن مساعدة.

وفجأة صدم شتيرنر المجدافين بالمياه بقوة, ثم رماهما وانفجر في قهقهة.

- اسمعي يا آنسة إلزا. وماذا لو أنني أصبحت أقوى إنسان على الأرض؟ لو أن الجميع امتثل لكلمة واحدة مني, لإشارة واحدة, مثلما يمتثل فالك؟

صرخ شتيرنر وهو يرمي السوط في الماء:

- فالك! الحقه!

اندفع فالك مثل السهم مغادراً متن القارب.

- هكذا! لو أنني أصبحت سلطان العالم؟

قالت إلزا:

- أ تعرف يا شتيرنر؟ لديك وجه شاب, ولكنه قديم الطراز للغاية. تشاهد هذه الوجوه بين الصور في الألبومات العائلية. وعادة ما يقولون عنها كما يلي: "هذا هو جدنا في شبابه". وها أنت ذا بالضبط مثل "جد في شبابه". لا, أنت لا تصلح قطعياً كي تصبح نابليون. هل يعقل أن يخرج منك نابليون مصرفي صغير؟.

- أوخ, هكذا إذاً؟ في هذه الحالة أنا أحرمك من التاج, والقصر, والعربة الذهبية, والقلادة الماسية, ومن جميع وصفاء ووصيفات بلاطك. أنا أحرمك من عطفي. واعلمي أنني لا أحبك إطلاقاً. ولا تظني أنني أنوي القيام بمآثر مثل فارس من القرون الوسطى, فقط كي أستحق الحصول على يدك وقلبك. كلا, إطلاقاً. فأنت بالنسبة إلي مقياس لإنجازاتي فقط. رهاني الأول, لا أكثر. هذا ما لدي لك!

- وماذا في ذلك! والآن ألا ترغب في الانكباب على المجدافين؟ حان وقت العودة إلى المنزل.

سحب شتيرنر إلى الزورق فالك المبتل, الذي صب الرذاذ على الجميع عندما انتفض, فصرخت غليوك وفيت.

نكت شتيرنر وهو يضغط بقوة على المجدافين:

- لقد هلك ثوباكما اللذان يخشيان الماء.

اندفع الزورق بسرعة مع التيار نحو الأسفل, واختفت الشمس خلف الغابة. وفي الأعلى تلألأ النهر مثل الذهب المصهور, في حين رقدت حول القارب ظلال زرقاء.

أخذت الرطوبة تمتد, فألقت إيما على كتفيها شالاً أزغب.

صمت الجميع.

كان سطح النهر المرآوي ساكناً, ونادراً ما قامت سمكة صغيرة بشق السطح الأملس الهادئ وقد لمعت حراشفها فوقه.

قطع زاوير الصمت:

- لم أكن أعلم أنك طموح على هذا النحو يا شتيرنر. أخبرنا ما الذي دفعك لترك مركزك العلمي والانتقال إلينا في مجموعة خدم غوتليب المتواضعين؟ إذ إنك, إذا لم أكن مخطئاً, قد عملت عملاً ناجحاً جداً في مجال دراسة الدماغ, لا بل إنني صادفت عدة أخبار في الجرائد عن تجاربك الموفقة ... ماذا يدعى ذلك العلم الفتي الذي شغفت به آنذاك؟ الإرتكاسولوجيا؟

قالت إلزا:

- أنا أتخيل تخيلاً مبهماً جداً ماهية هذا العلم.

ابتدأ شتيرنر الحديث بتلك النبرة, كما لو أنه يقرأ محاضرة على جماعة منتقاة:

- أيها السيدات الفاضلات والسادة الأفاضل. الإرتكاسولوجيا, هو العلم الذي يدرس ردَّات الأفعال الجوابية لدى الإنسان, وعموماً لدى أي كائن حي, والتي تظهر بالارتباط مع تأثير العالم الخارجي. فتميز بذاتها عموماً, كل علاقات الكائن الحي مع الوسط المحيط. مفهوم؟

أجابت إيما:

- غير مفهوم إطلاقاً.

- سأحاول التعبير بشكل أسهل. الارتكاس هو نقل الإثارة العصبية من إحدى نقاط الجسم إلى الأخرى بوساطة المركز أي الدماغ. فكل تأثير من الخارج عبر أعضاء الحس, وعن طريق الارتكاس من خلال المركز, يستدعي للعمل أعضاء الجسم هذه أو تلك. وبكلام آخر, يستدعي رد الفعل. الطفل يمد يده نحو النار, فتحرقه. إن تأثير النار هذا على الجلد ينتقل من خلال الأعصاب إلى الدماغ, ويذهب رد الفعل الجوابي من الدماغ إلى اليد, فيسحب الطفل يده بسرعة. وسيرتبط التصور عن النار لدى الطفل بتصوره عن الألم. وفي كل مرة عندما يشاهد الطفل النار سيبدأ بسحب يده بوجل. أي أنه حدث ذلك الذي ندعوه علمياً الارتكاس الشرطي. سأقدم مثالاً أكثر تعقيداً. ستقدمون الطعام للكلب, وفي الوقت ذاته, وفي كل مرة عندما يباشر الأكل ستعزفون على المزمار, غداء مع الموسيقا. أثناء الطعام يسيل لعاب الكلب بغزارة. بعد فترة من الزمن, عندما يرتبط العزف على المزمار في وعي الكلب ارتباطاً وثيقاً بالأحاسيس الذوقية, فإنه سيكون كافياً لكم أن تعزفوا على المزمار كي يبدأ لعاب الكلب بالسيلان بشدة. ارتكاس شرطي!. وما علينا إلا التفكير في أن أكثر الأحاسيس الإنسانية "قداسة" مثل الواجب, والإخلاص, والفريضة, والأمانة, وحتى "الأمر القطعي" الكانتي الشهير, ما هي إلا ارتكاسات شرطية تماماً, من الرتبة ذاتها التي تضم سيلان لعاب الكلب أيضاً. عملية خلق هذه الارتكاسات أكثر صعوبة, ولكن الجوهر ذاته. بعد هذا الإيضاح العلمي, أعترف أن كل هذه الفضائل العالية لا تثير في نفسي احتراماً خاصاً ... ولهذا يبدو لي أحياناً, أن سيلان لعاب الفضيلة هذا مفيد لأحد ما, وأن أحدهم يعزف على مزمار الدين والأخلاق والواجب والنزاهة. أما نحن, الأغبياء, فنطلق اللعاب. ألم يحن الوقت كي نرمي كل سقط المتاع القديم هذا, وأن نكف عن الرقص على مزمار الأخلاق القديمة؟

قرر زاوير أن يغير الحديث, فسأل شتيرنر مجدداً لماذا ترك مهنته العلمية. وقال:

- أنت تعرف كثيراً جداً, ومن الجائز أنه بإمكانك الوصول إلى الشهرة وإلى مختلف النجاحات في المجال العلمي وصولاً أسرع.

أجاب شتيرنر والنظرة الماكرة في عينيه:

- هاكم لماذا تركت مهنة العلم أيها المحترم زاوير, لقد شرَّحت نحو ألف دماغ إنساني, وتصوروا أنني لم أجد عقلاً في أي منها. وقد قررت أن العلاقة مع الأدمغة تكون ألذ كثيراً عندما تكون مشوية جيداً, وموجودة على طاولة غداء ربِّ عملنا الطيب جداً.

سمع شتيرنر صوت فيت خلفه:

- يا لها من كلمات شنيعة التي تفوهتم بها مجدداً!

- عفوا ألف مرة! لكني أؤكد لكم أن غوتليبنا لا يتغذى بأدمغة بشرية. ما هي إلا استعارة مجازية, ها - ها! أنا أشعر أنه سيأكل غداً صباحاً بيت الصيارفة تيوبفير و ك ... لقد أردت القول فقط إنه كان جيداً بالنسبة لسلاطين العصور الوسطى أن يمارسوا العلم, عندما كان تحت أيديهم جبال من مختلف المأكولات وبراميل من النبيذ. أما الآن ... فها أنا ذا وزاوير لا نعدو أن نكون خادمين متواضعين للصيرفي, وحتى أنتما, يا أروع آنستين, عاملة على الآلة الكاتبة وكاتبة الاختزال لديه, تتقاضيان أكثر مما يناله دكتور شاب في أكثر العلوم روعة. كما ترون فأنا صريح. أنا لست أول ولا آخر من فضَّل حساء العدس على خيرات العلم المستقبلية. ومع ذلك, كيف نعرف؟ لقد علمونا في المدرسة أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين, لكن كل هذه الرياضيات تجريد حقيقي. في العالم الواقعي لا توجد خطوط مستقيمة … قف! ها نحن أولاء قد وصلنا, والآن...

ثم التفت إلى إيما فيت:

- أعطني يدك واسمحي لي باصطحابك حتى المحطة ...

مضى شتيرنر وفيت إلى الأمام.

دفع زاوير أجرة القارب, ثم تأبط ذراع إلزا وتوجه ببطء نحو محطة القطارات.

أظلمت الدنيا وانتثرت النجوم في السماء. كان الطريق خالياً من الناس.

قال زاوير:

- انظري, كيف تتألق النجوم! من المحتمل أن طقساً ممطراً سيحل.

أجابت إلزا:

- نعم, لكننا سنفلح في الوصول.

- هل أنت مسرورة بنزهتنا, يا إلزا؟

سألت إلزا وهي تبتسم:

- أليست مخاطبتك لي عديمة الكلفة أكثر من اللازم؟

ثم تابعت دون أن تدع زاوير يتكلم:

- لكن, لا تتذرع. كان بوسعي أن أكون راضية لولا ذلك الثرثار الذي لا يحتمل, شتيرنر. يوجد إذاً أمثال هؤلاء الناس الفارغين! يقرقع مثل العقعق, لا يدع أحداً ينبس بكلمة. ويا لها من ادعاءات.

قال زاوير متأملاً:

- نعم, ثرثار ... لكنني وددت نصحك يا إلزا بأن تكوني أكثر حذراً مع هذا الثرثار.

نظرت إلزا إلى زاوير متعجبة:

- ألم أكن حذرة معه؟

ثم انفجرت ضاحكة وصاحت:

- كلا يا أوتو, أنت ببساطة تغار علي! لكن أليس مبكراً بعد؟ فأنا لم أعطك كلمة حتى الآن. ويمكن أن أغير رأيي.

- ها أنت ذا قد مزحت, في حين انقبض قلبي ... ثرثار! طبعاً, ثرثار. لكنه يتكلم عن وعي. هل سمعت ما قاله عن النزاهة وعن الخطوط المنحنية؟ هذه فلسفة خطرة. وأنا حقيقة أخافه , أخاف عليك وعلى شيخنا غوتليب ... فهذا الثرثار يتكلم بقصد خفي. يوجد شيء ما في كلماته. ما الذي يخطط له. لن أتعجب لو أنه قام بشيء ما رهيب.

تذكرت إلزا فجأة وجه شتيرنر الممعن النظر, والذي شاخ وقد أضاءه الشعاع الأرجواني للشمس الغاربة, فعاد الخوف إليها ثانية, وضغطت لاإرادياً يد زاوير بقوة أكبر.

- لكن كيف استحوذ على ثقة غوتليب! فالأخير الآن لا يتركه يبعد عنه خطوة واحدة. لقد أسكنه في بيته ... وفي الأمسيات يقوم شتيرنر بتسلية العجوز بالاستعانة بكلابه المروضة.

- يجب أن ننصفه يا أوتو فكلابه مدهشة.

- أنا لا أنفي ذلك. فكلابه تفوق كل ما هو معروف في مجال ترويض الحيوانات. وخصوصاً هذا المدعو فالك.

تذكرت إلزا:

- وكلبه الرومي الأسود, الذي يعرف العد ويتعرف على أي حرف من الأبجدية, يحزر دون كلام كل أوامره. يصيبني الخوف في بعض الأحيان...

- نعم, كما لو أن الشيطان ذاته يسكن هذا الكلب الرومي. من الجائز أن شتيرنر ذكي وعبقري. لكن الشر العبقري خطره مضاعف.

ونظر زاوير نظرة ذات معنى إلى إلزا.

- لا تقلق بشأني يا أوتو. فسحره لا يؤثر علي. أنا كنت ببساطة لا أكترث به. لكن بعد أمسية اليوم عندما شاهدت وجهه ... لا أعرف كيف أعبر عن هذا ... على كل حال, من الجائز أننا نجور عليه. ما هذا؟.. آخ!..

ظهر فالك من العتمة دون جلبة, وعض بأسنانه طرف ثوب إلزا وشدها إلى الأمام بزمجرة مرحة.

غضب زاوير من الكلب وأخذ يطرده, لكن إلزا انفجرت ضاحكة:

- على ما يبدو أنك أصبحت موسوساً يا أوتو. من الواضح أن شتيرنر قد أرسل فالك لينبهنا كي نستعجل.


المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 2:55 pm







2 - تحت عجلات القطار





فتح باب المكتب وظهر على العتبة الصيرفي كارل غوتليب بمرافقة السكرتير الشخصي لودفيغ شتيرنر.

تلألأت شمس الصباح على نظارات كارل غوتليب الذهبية بعد أن غمرت الغرفة كلها من خلال الجدران المصنوعة من زجاج متصل. ضَيَّق الصيرفي عينيه وابتسم. كان عمره نحو ستين سنة, لكن أحداً لم يعطه هذا العمر بعد النظر إلى وجهه البض الأبيض ذي التورد في كامل وجنتيه. ناعم الحلاقة, تفوح منه رائحة صابون غال وسجائر جيدة وعطور, مسرور دائماً, مرح وحيوي, جسَّد في شخصه الرفاهية الحياتية.

سأل وهو يصافح بالدور أيدي غليوك وفيت وزاوير:

- لكن, كيف مرَّت نزهتكم خارج المدينة؟ بمرح؟ هل اصطدتم كثيراً من السمك؟ كان الطقس رائعاً, أليس كذلك؟ من فضلك يا زاوير أرسلْ هذه البرقيات. هل استلمت نشرة البورصة؟ ما هو سعر صرف الدولار اليوم؟ نعم ... نعم ... أسهم القطن؟ ترتفع بشدة؟ عظيم. ارفضوا دفع هذه الحوالات الخاصة ببيت الصيارفة تيوبفير و ك. لا أستطيع التساهل أكثر. تبدين اليوم رائعة, يا آنسة فيت ... وأنت بماذا تحلمين, يا آنسة غليوك؟ ها – ها!

هددها بإصبعه متخذاً مظهراً ماكراً.

- يبدو أنني حزرت. فالربيع يجلب معه بكتيريا خطرة. نعم- م!

ثم نظر إلى الساعة بعد أن رتب باقة البنفسج الموجودة في عروة السترة السوداء وقال:

- الساعة الآن العاشرة. سينطلق القطار في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة. سأسافر وأعود في الثانية والربع, سأذهب لاستلام المعمل. سننتهي أنا وشتيرنر من الشكليات بسرعة. بالمناسبة سوف أتسلى, لقد جلست طويلاً ... هل وصلت السيارة؟ لنذهب يا شتيرنر!

خرج الصيرفي غوتليب وهو يخطو بتؤدة, صارخاً خلف الباب:

- أين أنت يا شتيرنر؟

مضى شتيرنر بسرعة إلى الغرفة المجاورة وصرخ:

- حالاً! فالك! بروت!

ركض لملاقاته كلبان وهما ينبحان بمرح: كلب الصيد الذي كان في النزهة, وبروت الكلب الكبير الضخم ذو اللون النمري.

أمال شتيرنر رأسه جانباً عندما مر بالقرب من غليوك وسأل بسخرية:

- ألم تقرري بعد؟

- ماذا؟

- الزواج بي...

وبعد أن ضحك بصخب انطلق مع كلابه للحاق برب عمله.

تجهمت إلزا, وتمتم زاوير بشيء ما وهو جالس خلف طاولته.

ضجت السيارة المغادرة وراء النافذة.

ساد الصمت في الغرفة, وطقطقت فيت على الآلة الكاتبة, أما زاوير فتصفح أوراقاً ما بعصبية وقال مجدداً بصوت خافت:

- مربي كلاب.

ردت عليه غليوك:

- بماذا تدمدم هناك؟

أجاب زاوير:

- إنه مع كلابه في كل مكان. لا أستطيع احتمال هذا السيد المتصنع! بالأمس فقط قال عن غوتليب إنه يكاد يقتات بالبشر, من الواضح, أنه يشير إلى قسوة غوتليب مع المدينين له, واليوم هل شاهدتموه؟ يتملق هكذا رب العمل. ليس أسوأ من فالك في النظر إلى العيون!.. لماذا تظنونه أخذ الكلبين؟ أ ليسلي بهما العجوز في أحضان الطبيعة ...

قالت إلزا:

- يبدو أنك تتحول إلى مماحك يا زاوير! لقد حزر شتيرنر لأن غوتليب التهم تيوبفير و ك.

أجاب زاوير متجهماً:

- هو ذاته أقنع غوتليب كي يقوم الأخير بإبراز الكمبيالات للتحصيل, لا يوجد شك في ذلك.

غنَّت فيت مبتسمة:

- ببساطة, زاوير يغار.

قال زاوير بجفاف وهو يعطي فيت ورقة:

- انسخي من فضلك هذا الكشف!

هدأت فيت مثل طفل مذنب وأجابت بوجل:

- تفضل!

قرقعت الآلة الكاتبة, وانغمس الجميع في العمل الذي قطعته رنات الهاتف.

نحو الساعة الحادية عشرة رن جرس هاتف جديد.

استمع زاوير إلى المكالمة كالمعتاد دون أن يتوقف عن كتابة رسالة العمل التي بين يديه.

- آلو! نعم, نعم ... مكتب السكريتاريا الخاصة بالصيرفي كارل غوتليب. ماذا هناك؟ لا أسمع؟ تكلموا بصوت أعلى! حدث؟ ماذا حدث؟ كيف؟ غير ممكن.

سقط قلم الحبر الآلي من يد زاوير وامتقع وجهه. وسمعت في صوته تلك النبرات العصبية, بحيث أن غليوك وفيت تركتا العمل وأخذتا تتابعانه بفضول القلق.

- سقط تحت القطار؟ لكن كيف حدث هذا؟ عفواً, لكن هذا الفضول مفهوم تماماً!.. نعم ... نعم ... أسمع ... نعم ... سيتم كل شيء!..

وضع زاوير سماعة الهاتف ونهض من وراء الطاولة وهو يمرر يده على شعره.

سألت فيت بهلع وهي تنهض:

- ما الذي حدث يا زاوير؟ من سقط تحت القطار؟ تكلم بسرعة.

لكن زاوير استوى في المقعد ثانية وجلس صامتاً, وقال بعد توقف:

- نعم ... لقد انتظرت شيئاً ما من هذا القبيل.

ثم نطق بسرعة وهو ينهض بعصبية:

- لقد أخبروني هاتفياً لتوهم أن كارل غوتليب قد سقط تحت القطار.

سألت فيت وغليوك في آن واحد:

- لكن هل هو حي؟

- التفاصيل غير معروفة...

قالت فيت:

- تفاصيل جيدة! هل هو حي أم لا؟

- لقد طلبت شرحاً للحادث, لكنهم أجابوني أن الوقت الآن ليس وقت شروحات ... ينبغي أن نعد تختاً بسرعة وأن نستدعي الأطباء...

قالت غليوك:

- يعني, هو حي؟

- يمكن ...

ضغط زاوير أزرار الأجراس الكهربائية لاستدعاء الخدم. أصدر الأوامر, وهتف للأطباء ... تعالى الهرج في المنزل وجاءت القهرمانة تركض قلقة.

كان غوتليب وحيداً, وقد أدارت كل أموره المنزلية "مدبرة منزل", كانوا يدعونها العجوز النظيفة السيدة شميتغوف, وقد صدمت إلى درجة اضطرت إلزا للاهتمام بها.

سمعت صافرة سيارة مقتربة فصرخت فيت:

- الطبيب!

أجاب زاوير:

- كلا, فهذا بوق سيارتنا. هانس, اذهب بسرعة إلى مدخل البيت.

خرج الخادم هانس بسرعة حاجلاً بساقيه المريضتين.

تكاثف في الغرفة انتظار فارغ الصبر. وجلست السيدة شميتغوف في المقعد نصف ميتة من الخوف والقلق وهي تتنفس بصعوبة. وسمع من الغرف البعيدة وقع ثقيل لأقدام تتابع الخطو.

همست فيت:

- يحملونه ... ليته يكون حياً.

انفتحت الأبواب عن آخرها. حمل أربعة أشخاص جثة كارل غوتليب المدماة والمشوهة. صرخت شميتغوف صراخاً هستيرياً وأغمي عليها. كانت ساقا غوتليب مبتورتين من فوق الركبتين. حمل الشخص الخامس المرتدي زي موظف في السكك الحديدية حزمة ما. عرفت فيت وغليوك أنها حرام غوتليب. بان حذاء الصيرفي اللماع من تحت طرف الحرام الذي انفتح.

فكرت غليوك, فخطر لها خاطر أخرق:

"ساقاه, إنهما ساقاه ... يا للهول! لكن لماذا يحملونهما؟ بماذا تلزماه الآن؟"

لم تتغير ملامح غوتليب كثيراً, لكن وجهه كان ذا بياض غير عادي مثل صفحة الورق.

فكرت إلزا:

"بسبب فقدان الدم"

وأدهشها أحد التفاصيل أيضاً, فقد بقيت باقة البنفسج في عروة سترة غوتليب السوداء, ولسبب ما فإن هذه الوردة على صدر الميت قد أقلقت إلزا قلقاً غير مألوف.

توجه الموكب الحزين إلى غرفة نوم غوتليب عبر المكتب, مخلفاً على الأرضية الخشبية قطرات من الدم.

مشى شتيرنر في إثر جثة غوتليب. كان وجهه ممتقعاً أكثر من المعتاد, ولكنه كان هادئاً. دار بحذر حول قطرات الدم الموجودة على الأرضية الخشبية كي لا يطأها, متخذاً ذلك المظهر, كما لو أنها برك من مياه المطر وسط الطريق.

سار في أعقابه فالك. شم الكلب قطرات الدم بمنخريه العصبيين المتوسعين.

نظرت غليوك إلى شتيرنر بخوف غير مفهوم لها ذاتها, فقابل نظراتها, وتراءى لها أنه يبتسم بعينيه فقط.

وبعد أن عاد زاوير من غرفة النوم, اقترب من شتيرنر وحدق في عينيه ممتحناً, وسأل:

- كيف حدث هذا؟

احتمل شتيرنر هذه النظرة أيضاً. حاجباه فقط هما اللذان اهتزا. وأجاب بهدوء:

- أنا لم أكن شاهداً. فقد طلب غوتليب مني إرسال برقية مستعجلة. وقد استغرق مني ذلك خمس دقائق فقط, لا أكثر. وعندما عدت كان كل شيء منتهياً. يقول الشهود إن كلبي بروت خاف من القاطرة البخارية واندفع جانباً فسقط تحت قدمي غوتليب. لم يثبت العجوز على قدميه فوقع من الرصيف على القضبان سوية هو والكلب. تقطع بروت إلى نصفين, كلب مسكين! أما غوتليب فقد بترت ساقاه.

- أنت تأسف على الكلب فقط؟

- لا تقل حماقات يا زاوير. ولا تعط أهمية كبيرة جداً للأساليب الرسمية في التعبير عن "الأسى النفسي". لقد كان غوتليب عجوزاً جليلاً. وأنا آسف عليه. لكن لا ينتج عن ذلك أنه لا يمكنني التعبير عن أسفي لموت صديق بأربع قوائم.

قال زاوير مفكراً, كما لو أنه يعطي كلماته معنى خاصاً:

- يا للغرابة, مات غوتليب بسبب بروت.

أجاب شتيرنر وهو يبتسم بسخرية قبل أن يذهب إلى غرفة نوم غوتليب:

- كلبي بروت ليس إنساناً, وإنما هو كلب. وغوتليب ليس قيصراً, بل هو صيرفي.


المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:21 pm






3 - وصيتان





أقلق خبر الوفاة المأساوية لكارل غوتليب, أكبر صيرفي ألماني, العالم التجاري كله . كان مكتب الصيرفي واحداً من العقد العصبية في حياة البلاد المالية والصناعية. لقد مول غوتليب لا البنوك المالية وحدها, وإنما الصناعة الضخمة أيضاً. لذا ليس غريباً أن يصبح موت غوتليب المفاجئ حدث اليوم, إذ ناقشت الجرائد النتائج المحتملة لهذه الوفاة بالنسبة لهؤلاء أو أولئك الدائنين, وخمنت التناسبات المتغيرة للقوى المالية, ومصير البنك الذي فقد رئيسه. وطرح سؤال: هل سيحل أحد ما مكان غوتليب, أم أن البنك سوف يصفى؟. وأخبر المراسلون الصحفيون القراء عن ورثة غوتليب من الأقرباء: ملاك الأراضي أوسكار غوتليب الأخ الأصغر للمرحوم, ولديه الابن رودولف البالغ من العمر أربعاً وعشرين عاماً إضافة إلى أربع بنات. لا بل حسبت إحدى الجرائد مقدار الرأسمال الذي سيؤول إلى الشاب والعرائس الغنيات, رغم أن أحداً لم يعرف بالضبط ما مدى ضخامة الممتلكات.

قلق التجار وضجت الجرائد, أما في بيت كارل غوتليب فقد انتهى الفصل الأخير من تراجيكوميديا حياة إنسان.

وتصرف في البيت وفقاً لحقوق الورثة الشرعيين أوسكار غوتليب الإنسان الأحمر الملفوح بالشمس الأخرق, وأولاده النمشون المغفلون الذين تم استدعاؤهم على نحو عاجل.

عبس أوسكار غوتليب وزم شفتيه. أشعل إمكان الاغتناء الشرر في عينيه الضيقتين, لكن حس اللباقة والأسف المخلص جزئياً بسبب فقدان الأخ جعلاه متحفظاً. في حين أن أولاده ابتهجوا علناً, وانهمكوا في التذوق المسبق لحلاوة امتلاك الثروة انهماكاً لا رادع لـه. فقد جال الابن رودولف وابنتا أوسكار الكبيرتان لويزا وهيرترودا من غرفة إلى غرفة, وعاينوا اللوحات, ولمسوا الزينات الغالية, وجلسوا على المقاعد الوثيرة, وتحسسوا القماش بالأيدي. تقاسموا الأشياء فيما بينهم, تجادلوا, ضحكوا ورسموا خططاً...

دفنوا جسد كارل غوتليب المشوه مع ساقيه المبتورتين في ضريح غال ذي معمارية ثقيلة الوزن, وخصصوا اليوم التالي للدفن لفتح الوصية.

نظم هذا العمل تنظيماً احتفالياً إلى حد ما. فقد دعي بعض موظفي كارل غوتليب أيضاً, وبضمنهم زاوير وشتيرنر وغليوك وفيت.

جلس شتيرنر خلف طاولة الكتابة بهيئة من يعاني الملل, ورسم كلاباً على صفحة ورقة.

ناداه رودولف غوتليب:

- اسمع أنت, يا سكرتير عمي المرحوم. قدني من فضلك إلى الطبقة العليا, فأنا أريد المعاينة...

ضغط شتيرنر بصمت زر الجرس الموجود على الطاولة فظهر خادم عند الباب.

- هانس, قد السيد غوتليب الابن إلى الطبقة العليا.

ثم عاد شتيرنر للانغماس في رسم الكلاب ثانية.

صمت رودولف, لكن حمرة الغضب غمرت وجهه الأنمش. زاوير, الذي راقب هذا المشهد بينما كان يجلس في الزاوية مع غليوك وفيت, ابتسم ابتسامة خبيثة.

- انظري, يا إلزا, شتيرنر يتصرف كما لو أنه هو ذاته الوريث ... أعترف أنني لا أفهم لعبته. لكأنه يقصد شخصياً أن يرميه المالكون الجدد خارج الأبواب.

قالت إيما بجزع:

- من غير المعروف أيضا ما الذي سيحصل معنا.

ضحكت إلزا بسخرية:





- وماذا في ذلك, إذا طردت فسيتوجب علي الانضمام إلى السيرك الجوال, وسأعمل أمينة صندوق.

- كفي عن المزاح يا إلزا. أنا أقول بمنتهى الجدية إن شتيرنر يدبر لعبة ما كبيرة تدبيراً واضحاً.

ثم تابع بعد أن خفض رأسه:

- ألا يبدو لكما أن وفاة كارل غوتليب قد حدثت في ظل ظروف غريبة؟

نظرت إلزا إلى زاوير.

- ما الذي تريد قوله يا أوتو؟ لكن شتيرنر لم يكن موجوداً في لحظة الكارثة.

- آ ها! يعني, أن هذه الفكرة خطرت على بالكِ أيضاً. فكرة أن موت غوتليب ليس مصادفة؟ الكلب! ماذا لو أن الكلب تصرف بإيحاء غير قابل للشرح؟ إذا لم أكن مخطئاً, فإن شتيرنر قد مارس في عمله العلمي مسائل الإيحاء ونقل الأفكار عبر المسافات. هل تعرفان أي عجائب يجترحها مع كلابه؟ هل تذكرين, بالأمس عندما كنا عائدين من النزهة, ركض فالك نحوك...

همست فيت:

- يا لها من كوابيس! ماذا لو أنه أوحى فجأة إلى الكلاب فأماتتنا عضاً؟

ضحك زاوير ضحكة ساخرة.

- لن يحصل على فائدة من هذا ... اعذراني, فكلاب شتيرنر تقتنص طريدة أكثر ضخامة. لكن ما الفائدة التي سيجنيها من موت غوتليب؟ إن هذا الإنسان الغريب يحيط نفسه بسر عميق. أنتما تعلمان أننا نعمل معاً منذ أكثر من سنة, ونتقابل كل يوم, لكن لا أنا ولا أحد غيري لم يكن قد دخل غرفته قط. ما الذي يفعله هناك؟ أي الخطط يدبر بسكينة؟

- ... لا أفكر أبداً في القيام بذلك. يمكنك أن تأخذي لنفسك منظر كورو الطبيعي, لكن لن أتنازل عن لوحة القديس سيباستيان.





مرت الأختان غوتليب قربهم وهما تتجادلان حول تقسيم إرث عمهما. فصمت زاوير.

قرعت الأجراس في كل البيت داعية الجميع إلى مكتب المالك المرحوم الكبير. وهناك كان كاتب بالعدل يجلس خلف طاولة المكتب. عجوز حليق نحيل يلبس نظارة ذات إطار أسود من عظم السلحفاة. كان شكلياً إلى حد كبير, ورفض قطعياً إخبار الورثة أي شيء عن محتوى الوصية قبل فضها, فنظر الآن آلـ غوتليب بقلق لا إرادي إلى حقيبة الكاتب بالعدل الثخينة التي تخفي سر الإرث. أخرج الكاتب بالعدل, دون عجلة, حزمة من الحقيبة وقدمها لاستعراض سلامة الأختام, ثم فضها وبدأ القراءة.

انتقلت حسب الوصية أملاك المرحوم كلها إلى أخيه أوسكار غوتليب, مع تخصيص مبلغ ضخم نوعاً ما للسيدة شميتغوف, ومبالغ أقل للشيوخ من الخدم.

تنفس آلـ غوتليب بارتياح بعد أن سمعوا الوصية حتى النهاية, لكن وجوههم استطالت فجأة عندما قال الكاتب بالعدل وسط السكون السائد:

- هذه الوصية الأولى.

سأل أوسكار غوتليب بهلع:

- يعني, توجد وصية ثانية أيضاً؟

أجاب الكاتب بالعدل:

- توجد وسوف أتلوها.

وبعد إجراءات معاينة الأختام ذاتها, فضها وتلا الوصية الثانية التي كتبت قبل وفاة كارل غوتليب بشهر فقط:

- " إبطالاً لكل الوصايا المحررة مسبقاً, فإنني أوصي بكل الممتلكات المقتناة العائدة لي, المنقولة منها وغير المنقولة مهما كانت مكوناتها, أن تصبح ملكية كاملة لعاملة الاختزال إلزا غليوك الموظفة عندي. ولأسباب شخصية لن أتمكن من الكشف عن البواعث التي تدفعني لحرمان أقربائي من الإرث ولإعطائها لإلزا غليوك. لكن, وكي لا يقوم الأولون بالطعن القضائي في الحقوق الموصى بها للأخيرة, فإنني أشير إلى أن ما حملني على ذلك هو:

1 - خدمة قدمتها لي إلزا غليوك, خدمة لن أتحدث عنها, لكن قيمتها لا يمكن أن تغطى حتى بالرأسمال المتروك.

2 - بعض الظروف ذات الطبيعة الشخصية جداً, والتي أرغمتني على شطب أخي أوسكار غوتليب من بين قوائم المقربين مني ...".

وأكمل الكاتب بالعدل:

- ممتلكات الوارث محولة إلى دولارات تقدر بمليارين وفقاً للحساب الأولي.

استلقى أوسكار غوتليب على ظهر المقعد. أصبحت عيناه زائغتين. تنفس تنفساً مرفقاً بصفير من فم مفتوح فتحة عريضة وهو يلعب بأصابعه بعصبية. وبدا أن الضربة صعقته.

تعانقت الأختان غوتليب ونشجتا وهما تحنيان رأسيهما الواحدة على كتف الأخرى.

امتقع لون رودولف بحيث برزت كل حبات النمش على وجهه مثل رذاذ القمامة. ثم صرخ فجأة صراخاً هستيرياً:

- غير ممكن!.. غير ممكن!.. كذب! خداع! جريمة!.. نحن لن نترك الأمر هكذا! الجميع هنا محتالون.

هز الكاتب بالعدل كتفيه.

- كن حذراً في كلامك أيها الشاب. أنا نفذت واجبي فقط. يمكنكم الطعن في الوصية عن طريق القضاء إذا وجدتموها غير صحيحة. أما الآن فأنا مضطر لإعطائها للوريثة.

نهض الكاتب بالعدل من وراء الطاولة, ثم اقترب من إلزا غليوك, وأعطاها الوصية باحترام.

رفعت إلزا حاجبيها في حيرة كاملة وأخذت الورقة آلياً.



شخص زاوير المصعوق نحو إلزا, ولم تعرف إيما فيت أ ينبغي لها أن تفرح أم أن تبكي. فقط الكاتب بالعدل وشتيرنر هما من حافظ على الهدوء.

وفجأة مال أوسكار غوتليب وأخذ ينحدر زاحفاً من الكرسي, فاندفع الجميع لمساعدته.

- الطبيب!

وقامت القيامة.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:23 pm







4 - العروس السعيدة





قبل اعتماد وصية كارل غوتليب بشأن ممتلكاته, تم إنشاء وصاية, زد على ذلك أن أوسكار غوتليب ظفر بتعيينه وصياً. لذا بقي آلـ غوتليب يعيشون في بيت الصيرفي المرحوم, وتماسك الشاب رودولف غوتليب كما في السابق باستقلالية المالك المستقبلي, آملاً بقوة أن القضاء "سوف يعيد الحقوق للورثة الشرعيين".

تطلب استكشاف ممتلكات المرحوم الضخمة وجود جميع الموظفين, ولهذا عاد الجميع إلى العمل في اليوم التالي ليوم فض الوصية, وبضمنهم إلزا.

لاقاها زاوير متعجباً:

- أنت؟ .. بأي صفة أنتِ تظهرين هنا؟

أجابت ببساطة:

- بصفة عاملة اختزال.

أجابها:

- المليارديرات لا يعملن مختزلات.

ثم قال زاوير وهو يسحب إلزا جانباً:

- أرجوك, اجلسي ... ينبغي أن نتحدث أنا وأنت حديثاً جدياً.

جلسا. أوتو الشاحب بعد ليلة لم ينم فيها, مسح جبينه بيده مستجمعاً أفكاره.

- منذ يوم أمس, لدي بلبلة في رأسي بحيث فقدت القدرة على الحديث المترابط, إما أنني اشتبهت في قيام شتيرنر بجريمة دون أساس, أو ... أو إنه أخطر مما ظننت ... لكن شيئاً اتضح لي, وهو أن حاجزاً لا يقهر ينشأ بيني وبينك ... أنت تذهبين عني يا إلزا!

نظرت إلزا إليه في حيرة وعتاب:

- قولي لي بصراحة يا إلزا وبمنتهى الصدق, ألم تكوني تعرفين شيئاً عن تلك ... السعادة التي كانت بانتظارك؟

أجابت إلزا بحزم:

- لم أعرف شيئاً.

شدد زاوير:

- لكن عليك أن تعرفي على الأقل الخدمة غير العادية المقدمة لكارل غوتليب, والتي قيمها تقييماً أعلى من كل ثروته؟

- أنا لم أقدم لـه أي خدمة على ما أذكر.

وضع زاوير يده مجدداً على جبينه المتقد.

- يمكن أن أجن من هذا ... لنفرض أن شتيرنر متورط هنا, مع أنني لست متأكداً شخصياً من ذلك, لنفرض أنه أثر تأثيراً ما على العجوز غوتليب, وأقنعه بشطارة بهذه الخدمة غير الموجودة, التي ألزمت غوتليب على ما يبدو, بأن يكون ممتناً لك ... لكن عندئذ, لماذا لم يستفد من الوصية على اسمه؟ أو ...

استقام زاوير كله بشكل ما فجأة وتصعر وجهه بألم.

- المعذرة يا إلزا, لكن علي أن أسألك سؤالاً آخر حساساً للغاية: من الجائز أنه كانت بينك وبين كارل غوتليب علاقات حميمة ...

نهضت إلزا مستاءة.

- إيه, إيه, لن أفعل, اهدئي! اجلسي أرجوك ... أنت ترين أنني لا أتمالك نفسي ... تخطر في رأسي أفكار سخيفة تماماً. آخ, إنه ذلك العذاب! .. علي أن أفصح لك فوراً عن كل شكوكي التي عذبتني طوال الليل. لقد قلبت فكري كثيراً! وفكرت أنه يمكن أن تكوني ... ابنة غوتليب.

- اسمع يا زاوير, سأغادرك الآن إن لم ...

- أو يمكن ..., ها - ها - ها!, إنك تعملين بالاتفاق مع شتيرنر, وأنك لست إلا ستاراً له.

نهضت إلزا ثانية, لكن زاوير أمسكها من يدها وأرغمها على الجلوس.

- اجلسي! عليك أن تستمعي إلى هذا. افهمي أن ما أقوله لك بتلك الحدة والصراحة, سيقولونه, لا بل إنهم يقولونه خلف ظهرك. هل يعقل أنك لا تفهمين أن هذه الوصية تسود اسمك الطيب؟

- اسمع يا زاوير, أنا أحبك - لاحظ أنني أقول لك هذا بصراحة - لكن لكل صبر نهاية. حتى لو كان الجنون يتحدث في داخلك فإنني ... لا أحتمل تلك الأشكال من الجنون. من الذي أعطاك الحق في إهانتي دون عقاب؟

- الحق, الحق! من أعطى الحق في تعريضي لعذاب الشكوك الرهيبة ... ومن أين هي؟

صمت زاوير وخفض رأسه بتعب.

رثت إلزا لحاله ولمست يديه بلطف, ثم قالت بصوت خافت:

- لم يعرضك أحد للعذاب, أنت ذاتك تعذب نفسك. ومن أجل ماذا؟ لكن افهم يا أوتو أن شيئاً لم يتغير في علاقاتنا, وأنا لا أفهم عن أي جدار تتحدث.

- كيف لم يتغير شيء؟ وملايين, ومليارات غوتليب! أنت واحدة من أغنى نساء البلاد, أما أنا … فأملك كبريائي الذكورية. أنا فقير ولا أريد أن يقال عني إنني قد تزوجت النقود. النقود! أليس هذا حائطاً؟

- ومن الذي أقنعك بأن هذا الحائط المؤلف من أكياس من الذهب سينتصب بيننا؟ لا يوجد أي جدار ولن يوجد!

نظر أوتو زاوير إلى إلزا دون أن يفهم ولكنه شعر بالراحة.

- ما الذي تريدين قوله يا إلزا؟

- إنه لا ينبغي نهائياً أن تكون المستشار القانوني أوتو زاوير, وأن تسهر الليالي, وأن توصل نفسك إلى الخبل, كي تفهم كل الارتباك الناجم عن الحصول على هذه التركة. وأنا لا أفكر بقبول هبة كارل غوتليب. سأتخلى عن الحقوق في الإرث. وهذا كل شيء.

صرخ زاوير بصوت مرتفع, بحيث أن إيما فيت التي عملت في الطرف الآخر من الغرفة أوقفت قرقعتها على الآلة.

- ماذا بك يا زاوير؟ لقد أخفتني.



- لا شيء يا آنسة, فهذا من السعادة. بسبب أنني أصبحت غنياً فجأة! غنياً للغاية!.

فهمت إيما على طريقتها واندفعت تقبل صديقتها الضاحكة وتهنئ زاوير المتألق.

- يعني أنك ستتزوج إلزا.

وفجأة سمعوا صوت شتيرنر الذي دخل الغرفة:

- ما هذا المشهد العائلي! بماذا تهنئان؟

صاحت إيما متوجهة إلى شتيرنر:

- يا لها من سعادة. ستقترن إلزا بزاوير, وسيكونان غنيين للغاية.

سأل شتيرنر:

- هل هذا صحيح؟

تبادلت إلزا وزاوير النظرات. وتمهلت عدة لحظات ثم قالت بحزم:

- نعم هذا صحيح. يمكنك تهنئتنا.

كان زاوير سعيداً إلى درجة صافح فيها بقوة يد شتيرنر الممدودة.

- فليكن إذاً. أهنئكما يا ربّي عملي المستقبليين. إذا كنتما, على أي حال, راغبين في الانتفاع من خدماتي. وإذا لم تكونا, فمع السلامة! حقيبتي على كتفي. سأجمع كلابي وأنطلق مع السيرك الجوال ... ليس باليد حيلة, يجب البحث عن أمينة صندوق أخرى ... أ يمكن أن توافق الدمية؟ إيما هل أنت موافقة؟ ماذا بك أيتها الصغيرة؟ أ أنت تبكين؟

قالت إيما:

- هذا ... من ... السعادة.

ضحك شتيرنر ثم قال وهو يهددها بإصبعه:

- هكذا إذاً؟ على الدُمى أيضاً أن يخفين مشاعرهن. اعترفي أنك تشفقين قليلاً على لودفيغ, آ؟ لقد أحببته قليلاً جداً, آ؟

دخل الخادم.

- السيد غوتليب - الأب يلتمس من السيد أوتو زاوير القدوم إلى المكتب.

هز زاوير رأسه لإلزا وخرج من الغرفة بلا رغبة. فأصبح لودفيغ شتيرنر جدياً فجأة بعد أن بقي وحده مع إلزا.

- هل هذا محسوم يا آنسة غليوك؟

- نعم هذا محسوم.

استغرق شتيرنر في التفكير ثم قال:

- وأنا؟ ألا أملك أي حظوظ صغيرة في النجاح؟

- الآن, أقل من أي وقت مضى ... اسمع يا شتيرنر: أنت , كما يبدو لي, الشخص الوحيد القادر على إزالة الغموض عن كل هذه القضية. أجبني على عدة أسئلة.

- أنا أسمعك.

- أ يمكنك أن تشرح لي سر الوصية؟

- لقد مات سوية مع كارل غوتليب.

- هذا الجواب لا يرضيني تماماً. سؤال آخر أيضاً, أكثر الأسئلة صعوبة: هل توجد صلة ... بين تحرير الوصية والموت المفاجئ لكارل غوتليب.

- أوثق صلة: فما أن مات غوتليب حتى أصبح ممكناً إظهار الوصية لاعتمادها ومباشرة حقوق الورثة. سيقول لك ذلك كل حقوقي.

- إما أنك لا تريد أن تفهمني ...

- أو أنك بسبب الوداعة تعبرين بضبابية شديدة. قولي بصراحة: هل أنا المذنب في موت العجوز؟

احمرت إلزا:

- أنت ذاتك المذنب يا شتيرنر, هل تذكر؟ لقد دعوت النزاهة رذيلة … ومن الصعب عليَّ التهادن مع فكرة أن بين المعارف الذين تصافحهم ...

- توجد يد مضرجة بدم رضيع بريء في الستين من عمره؟ وبمثل هاتين اليدين تجرأت وطلبت يدك ...

قال أوسكار غوتليب وقد ظهر عند باب الغرفة:

- اسمع يا شتيرنر, أين أنت ؟ هكذا لا يجوز. نحن ننتظرك منذ وقت طويل.

نهض شتيرنر وخرج مكرهاً. فأسرعت إيما الفضولية نحو إلزا:

- عن ماذا تحدث معك هكذا مطولاً؟

- لقد عرض علي يده وقلبه والكرة الأرضية على شكل هدية زواج.

- وماذا بك أنت؟ عرضان في يوم واحد! محظوظة!

قالت إلزا:

- إيما, أنت تعرفين, لقد رفضت التركة.

فتحت إيما عينيها كل الفتح.

- إيه, وأنت لست أذكى من شتيرنر.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:24 pm







5 - حادثة ملتبسة





لم يمت أوسكار غوتليب, لكن الفقدان الفجائي للإرث الذي طار من بين يديه هز كيانه العجوز. فقد جلس في مكتب المحامي المعروف لوديرس بوجه مدبب ومسود ومتورم, وقال وهو يحني رأسه جانباً ويفتل في يديه قلم رصاص بعصبية.

- قضية التركة هذه, هي قضية شيطنة ما شاملة, وسخافة. من الجائز أن ابني رودولف محق في تأكيده وجود عصابة هنا. عصابة مجرمين أو مجانين. احكم بنفسك. في اليوم التالي ليوم فض الوصية دعوت إلي أوتو زاوير المستشار القانوني لأخي المرحوم كي أتبادل الحديث معه حول القضية, وكما بدا لي, فإن زاوير بوصفه شخصاً مقرباً للمرحوم كارل وموثوقاً, كان باستطاعته إلقاء الضوء على هذه القصة غير المحتملة للوصية. لكن زاوير إما أنه فعلاً لم يكن يعرف شيئاً عن تغيير الوصية, أو أنه لم يرد قول الحقيقة لي. وعوضاً عن هذا أبلغني زاوير فجأة بخبر آخر, وهو أن إلزا غليوك ترفض التركة. دعوت إلي غليوك فأكدت هذا. وكأن حجراً انزاح عن قلبي. ومع ذلك, لم تمض عدة أيام حتى أبرزت الوصية أمام المحكمة لاعتمادها. وقد أبرزها زاوير ذاته بتوكيل من إلزا غليوك.

سألته أنا:

- ما الذي تفعله؟

ضغط زاوير كتفيه.

- لقد غيرت الوريثة نيتها.

سأل المحامي وهو ينفخ الدخان من سيجاره:

- وإلزا غليوك؟ هل تحدثت إليها مرة أخرى؟

- تحدثت. لقد تركت لدي انطباعاً غريباً. هناك هدوء ما حجري على وجهها, نظرة باهتة وحركات ذابلة, كما لو أنها لم تنم نوماً كافياً.

قلت لها:

" يا آنسة غليوك, ولكنك رفضت التركة؟"

أجابتني بخمول:

" لا أعرف, لا أذكر ... يمكن".

"إذاً لماذا قدمت الوصية للاعتماد؟".

نظرت إلي متعجبة وصمتت مثل القتيلة. وهكذا تعذبت معها نحو الساعة, ثم نهضت فجأة وخرجت دون أن تقول كلمة.

سأل المحامي:

- من الممكن أنها غيرت قرارها تحت تأثير الخطيب, إذ إن زاوير خطيبها؟

- أنا أيضاً أظن ذلك. لكن العجيب أن هذا الخطيب يبدو منزعجاً من شيء ما أيضاً. فهو كئيب مثل غيمة, كما لو أن حصول خطيبته على تركة طائلة هو تعاسة رهيبة. زاوير متجهم وغاضب ومهتاج. إما أنه ممثل جيد, أو أنهم قد جنوا جميعاً هناك.

تابع أوسكار غوتليب بعد أن وضع قلم الرصاص في جيبه ثم عاد واستله تواً:

- لكن مهما كان الأمر, فإن الوصية قد أظهرت ويجب النضال. ما رأيك يا سيدي المحامي؟

أرخى لوديرس رأسه الخالي من الشعر وذا الجمجمة الوردية على ظهر المقعد, وتابع حلقة الدخان المتبددة, ثم ابتدأ الحديث كما لو أنه يتناقش مع ذاته:

- لا يجوز دحض الوصية من خلال نظام الدعاوى لأسباب صورية: فالوصية حررها الكاتب بالعدل مع مراعاة جميع المتطلبات القانونية. ويثبت محضر تحقيق القضاء والشرطة أن موت كارل غوتليب كان نتيجة لحادثة مؤسفة تستبعد سوء القصد. ما الذي يبقى لنا؟ البرهنة على جنون الموصي لحظة كتابة الوصية. هذه هي السبيل الوحيدة, لكن المقلقلة كثيراً ...

التفت لوديرس نحو أوسكار غوتليب بعد أن نفث حلقة جديدة من الدخان:

- قل لي بذمة طاهرة, كيف كانت علاقتك مع أخيك المرحوم؟ ألم توجد بينكما ... آ ... آ ... خلافات, نزاعات؟

أجاب أوسكار غوتليب بحزم:

- لم توجد!

- لكن هذه الإشارة في الوصية الثانية؟

احمر أوسكار غوتليب وأخذ يتململ على الكرسي.

- هذه الإشارة! افهموني, إن هذه الإشارة هي السبب الرئيس لرغبتي في رفع دعوى حول بطلان الوصية الثانية, هذه الإشارة تصمني بالعار. إذا كان الاستسلام للحرمان من الحق في الإرث صعباً, فإن الأصعب هو الاستسلام لهذا الافتراء من المرحوم ... أنا لا أعلم ما الداعي له, لكن يوجد هنا سوء فهم ما. من الجائز أن أحداً ما قد سود صفحتي في عيني شقيقي عن سوء نية.

- نعم, حادثة ملتبسة ... سأسعى لفعل كل شيء ممكن, لكن من الصعب ضمان النجاح.

وبعد أن أطلق المحامي المعروف حلقة ثالثة من الدخان, انتقل إلى موضوع الأتعاب, وهو الأكثر سهولة ولذة بالنسبة إليه.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:26 pm







6- مرافعة قضائية





أثارت دعوى أوسكار غوتليب القضائية ضد إلزا غليوك ضجة كبيرة. فالأجر الخارق الذي ينبغي أن يتسلمه المحامي الشهير لوديرس في حال ربح القضية, والمبلغ الهائل الذي خلفه غوتليب وفقاً للوصية, ومفاجأة مشيئته لما بعد الموت, وجمال الوريثة الحديثة العهد, والموت الفجائي لغوتليب بعد شهر من كتابة الوصية, كل هذا كان مادة لا تنضب لتعليقات الصحف, وبدرجة أكبر أيضاً لأحاديث الناس اليومية. أبديت أكثر الاقتراحات استحالة, وجرت نقاشات حارة, وتمت الرهانات. واهتموا أكثر من كل شيء بالعلاقة المتبادلة بين الأخوين غوتليب, وكذلك بالعلاقة بين إلزا غليوك وكارل غوتليب وزاوير. أي خيوط ربطت بين هؤلاء الناس؟ ما الذي حدث بين أوسكار وكارل غوتليب؟ لماذا حرم المرحوم أخاه من التركة؟ اهتمت المحكمة أيضاً بهذا السؤال.

قامت دعوى أوسكار غوتليب, التي صاغتها يد المحامي لوديرس الماهرة, على أساس أن الموصي في لحظة التوصية لم يكن "بكامل العقل والذاكرة". وقد بذلت كل الجهود للبرهنة على ذلك. أزعجوا جثة كارل غوتليب. وشرَّح أفضل البروفيسورات الدماغ, فاحتوى المحضر المقدم إلى المحكمة لهذا الغرض على وصف مفصل جداً لوزن الدماغ ولونه, وعدد التلافيف الدماغية, وبدايات التصلب, لكن المسألة الأساسية لم تحل.

لم يتجاسر الخبراء على القيام باستنتاجات مباشرة عن الانحراف النفسي لكارل غوتليب, رغم أنهم وجدوا بتأثير من لوديرس "بعض الشذوذ".

لكن لوديرس امتلك أيضاً احتياطياً من الشهود المعدين جيداً. إذ تبين أنه يمكن تدبير أموره معهم تدبيراً أسهل مما كان مع الخبراء. لقد أحاط بكارل غوتليب ناس كثيرون عندما كان يرأس عملاً ضخماً, ولم يكن من الصعب تجنيد شهود من بينهم جاهزين للإدلاء بأي شهادة مقابل عمولة مناسبة. وقد قدَّم الشهود, الذين تقودهم يد خبيرة, كثيراً من الوقائع الدقيقة من حياة المرحوم, والتي أكدت جواز فكرة أن كارل غوتليب لم يكن طبيعياً.

أضحك المحاسب الرئيسي الجمهور عندما وصف إحدى غرائب المرحوم: ولعه الشديد بالتنظيم الذي يصل إلى الهوس. على سبيل المثال: بنى مصعداً خاصاً, ثبت على أرضه مقعداً ينتصب أمام طاولة مكتبه, ويصل هذا المصعد بين ثلاث طبقات. كان غوتليب يضغط الزر, كي يهبط من شقته الموجودة في الطبقة الثانية إلى الطبقة الأولى, حيث يوجد المصرف. وبعد أن يوقع الأوراق, أو يلتقي شخصياً مع الزبائن المطلوبين, كان يرتفع على مقعده مثل إله مسرحي إلى الطبقة الثانية مباشرة نحو الطاولة, كي يتابع عملاً كان قد شرع به.

لم يحب غوتليب ظهور الخدم والموظفين أمامه أثناء عمله. كان يقول: "هذا يشوش عمل الأفكار". لهذا فقد مُدَّت في كل البيت نواقل من أشرطة خاصة متحركة لا نهاية لها. وإذا أعوز غوتليب كتاب من المكتبة ,أو فنجان قهوة, فإنه كان يطلبه هاتفيا. وكان فنجان القهوة والكتاب وعلبة السيجار تصل إلى طاولته على صينية محمولة على شريط الناقل المتحرك دون ضجيج

قال أحد الشهود:

- شغفه بالصحة أيضاً قارب الهوس, فقد وُضِعَت في جميع الغرف موازين حرارة, ومقاييس لنسبة الرطوبة, وأجهزة دقيقة لتحديد تركيب الهواء وتنقيته. لم يعترف غوتليب بالتهوية العادية وقال: "لا يمكنك تنقية الهواء في المنزل, بهواء خارجي مسمم بالغبار والبنزين المحروق". لذا نقي الهواء كيميائياً. وراقب شخص معين خصيصاً ثبات الحرارة عند اثنتي عشرة درجة مئوية, فقد بُرِّدت صنعياً في الصيف لتصل إلى هذا الحد, كي لا يكون الهواء جافاً أو رطباً. كما أشبع الهواء بالأوزون صناعياً, كي لا ينقص محتواه من الأوكسجين ويظهر أكسيد الكربون.

الخبراء النفسانيون الجدد من ذوي العريكة اللينة, أو ممن دفع لهم لوديرس أكثر, أعطوا استنتاجهم على أساس هذه الشهادات, مع تسمية حكيمة هي ذهان المرحوم غوتليب. وأخذت القضية تميل بوضوح لصالح أوسكار غوتليب. بقيت مسألة واحدة فقط عقَّدت قرار المحكمة, وهي علاقة كارل وأوسكار. الحقيقة أن عدداً من الشهود قدم إفادات ملائمة بخصوص هذه المسألة أيضاً, بتأكيدهم وجود "عواطف الأخوة" بين كارل وأوسكار. ولكن القطيعة بين الأخوين يمكن أن تحدث على أرضية ما غرامية غير مفهومة حتى لأقرب الناس. ومن حسن حظ أوسكار, لم يستطع أحد البرهنة على حدوث مشاجرة بين الأخوين. حتى إن لوديرس كان ينتظر النصر بلذة ويتصرف ذهنياً بالأجر الضخم. فيللا في نيس ... سيارة جديدة ... مارييت ... ابتسم لوديرس وضيق عينيه مثل الهر. من أجل هذا ينبغي التعامل مع الخبراء والشهود!.. لقد سعى لوديرس بكل جهده, مقحماً في القضية مقدرته الفذة وعبقريته الخطابية.

وفي ذلك اليوم الذي توجب فيه على المحكمة إصدار القرار, لم تستطع قاعة المحكمة الضخمة استيعاب جميع الراغبين في سماع الحكم. وبحث الفضوليون بأعينهم عن إلزا غليوك, لكنها لم تكن موجودة, فقد دافع زاوير عن مصالحها.

تفوق لوديرس على نفسه وألقى مرافعة رائعة. لقد حلل بدقة إفادات الشهود والخبراء, فعمل مقارنات غير متوقعة واستنتاجات, وصدَّ بمهارة مداخلة زاوير المتجهم. كما قوطعت ملاحظاته الظريفة عدة مرات بتصفيق الجمهور, الذي كانت أغلبيته على ما يبدو, تقف إلى جانب "الورثة القانونيين", أي إلى جانب أوسكار غوتليب. ورغم كل التجرد الظاهري للقضاة, كان واضحاً أنهم يميلون لصالح غوتليب.

قال لوديرس في نهاية مرافعته:

- أما فيما يخص علاقة المرحوم كارل غوتليب بموكلي, مهما كانت, فأي معنى يمكن أن يكون لعطف أو كراهية مريض نفسي؟ يقول زاوير إن كارل غوتليب كان يدير عملاً ضخماً.

هز لوديرس كتفيه:

- يعرف التاريخ أمثلة عندما حكم ملوك مجانين دولاً ضخمة, ولم يُخَمِّن الشعب حتى ذلك ...

صفق قسم من الجمهور فقرع رئيس المحكمة الجرس.

في هذه اللحظة نهض أوسكار غوتليب من كرسيه. كان يملك شكلاً ناعساً إلى حد ما. واقترب دون مبالاة من الطاولة التي يجلس خلفها القضاة, بوجه خال من الحياة وهو يسحب رجليه, ثم قال بفتور:

- اسمحوا لي بالكلام.

حل صمت عميق.

نطق أوسكار غوتليب وهو يختار الكلمات بصعوبة, كما لو أنه يتذكر شيئاً ما:

- خطأ ... ليس صحيحاً ما قاله لوديرس. كان كارل طبيعياً وسليماً. لقد حرمني كارل من التركة عن حق. أنا المذنب تجاهه.

سكنت القاعة سكوناً متوتراً. وذهل لوديرس, ثم انقض على أوسكار غوتليب وشده من كمه بهياج.

- ما الذي تقوله؟ ثُب إلى رشدك! أنت تتلف كل القضية!

وهمس في أذن العجوز لاهثاً:

- أنت جننت.

سحب أوسكار يده بسرعة وصرخ بهياج غير متوقع:

- ما الذي تهمس به هنا؟ لا تضايقني! انصرف! أنا مذنب تجاه كارل … أنا لا أستطيع التحدث فيم يكمن ذنبي … هذه قضية عائلية … لكن ليس هذا مهماً...

حتى القضاة صُعقوا.

سأل رئيس المحكمة:

- ولماذا لم تتكلم عن هذا إلا الآن؟

- لأنه الآن ...لأنه ...

تروَّى غوتليب, كما لو أنه أضاع الفكرة, ثم تابع:

- لأنني لم أعرف أن بعض القرائن قد أصبحت معروفة لأخي المرحوم. لقد علمت بذلك اليوم فقط. ليس أنا من يستحق هذه الوصية, وإنما إلزا غليوك.

ضجت المحكمة مثل سد مخروق, وغلب الصراخ المتعالي على رنين جرس الرئيس. شحب لوديرس فاقترب من منضدة الكتابة متمايلاً, وسكب الماء بيد مرتجفة. طنت الكأس على أسنانه, وانسكب الماء على صدره. عجب زاوير لم يبد أقل من عجب الآخرين. أما رودولف غوتليب الأحمر المحتدم غيظاً, فقد انقض على أبيه, وأخذ يهزه من كتفيه وهو يصرخ بشيء ما. لكن أوسكار كان غير مبال بكل شيء. عندئذ هرع رودولف نحو طاولة القضاة هازاً قبضتيه, وصرخ صراخاً غلب على ضجيج القاعة:

- هل يعقل أنكم لا ترون أنه جُنَّ؟ الجميع هنا إما مجانين أو مجرمون ... لن أترك الأمر هكذا.

أوقفت المحكمة الجلسة, وأمر الرئيس بإخلاء القاعة.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:27 pm





7 - الوريث المفقود





رفضت الدعوى وثبتت الوصية, وأصبحت إلزا غليوك وريثة.

لم يرد رودولف الاستسلام لذلك, ولا لوديرس الذي أفلت منه الأجر الضخم. لكن ما العمل؟ هل يكشفان على أوسكار غوتليب ويعلنانه مجنوناً, ويقيمان عليه وصاية في شخص رودولف, كي يمكنهما استئناف الدعوى؟

تعقدت القضية بسبب اختفاء أوسكار دون أثر بعد المرافعة فوراً. ولم يكن ممكناً إعلانه عديم أهلية التصرف غيابياً. تورط رودولف في الديون, وهو يبذر الأموال بحثاً عن والده المفقود. وعد بمكافأة ضخمة, لكن لم يجدوه. واقترب موعد الطعن من نهايته.

وفي غمرة يأسه هرول إلى إلزا غليوك, التي لم تكن قد انتقلت بعد إلى منزل كارل غوتليب, الذي تحول لملكيتها وفقاً للوصية, وإنما كانت تأتي إليه بانتظام دون انقطاع عن العمل. وفي غرفة السكريتاريا الخاصة كان شتيرنر يتلو عليها شيئاً ما وهي تسجل. كان يمكن أن تبدو ممارستها لعملها السابق غريبة, لكن رودولف كان في حال لم تسمح لـه بإعارة انتباه لأي شيء.

سأله شتيرنر وهو يبتسم:

- آ, كيف أحوالكم أيها الشاب؟

أجابه رودولف بزعل:

- هذا لا يخصك أيها الشاب. علي أن أتحدث مع الآنسة غليوك.

ثم نظر رودولف نحو شتيرنر مستفهماً, كما لو أنه يدعوه للخروج, فضيق شتيرنر إحدى عينيه.

- سرياً؟ تفضل!

وخرج.

أخذ رودولف يركض في المكتب بشعر منكوش. ثم قال:

- يا آنسة!.. يا آنسة!..

وفجأة أخفى وجهه بيديه وبكى بكاء مراً.

سألته إلزا وقد ارتبكت من المفاجأة:

- ماذا بك؟

هرع رودولف نحوها. جثا على ركبتيه وثنى ذراعيه, وأخذ يطلب بصوت قطعته الدموع:

- أتضرع إليك!.. لا تهلكيني. ارفضي التركة! بماذا تلزمك؟ أقصد أنها ضخمة, من الذي يرفض الثروة؟ لكنها ليست لك. أريد القول إنه لا علاقة لك فهي التي أتتك فجأة ... أخ أفكاري تتشوش ... وأنا؟.. بيد أنني عشت مفكراً بهذا فقط ... الوالد مقتصد غاية الاقتصاد, يخاف على كل قرش. تراكم علي الكثير من الديون ... أنت! لماذا أنت؟ لأي سبب أنت؟ لكن هذا غير معقول, لا يمكن أن يتفق مع شيء, فظاعة! بيد أن هذا ... أنا لا أعرف ماذا أقول, لكن افهميني, افهميني وارحميني ... ارفضي التركة, وإلا ... سوف أقتل نفسي.

أجابته إلزا بهدوء:

- أنا لا أستطيع فعل ذلك.

- كيف لا تستطيعين؟ من الذي يستطيع منعك؟ ألم ترفضيها؟

- لا أذكر ...

- أشفقي علي, ارحميني, أتوسل إليك! وإلا فإنني ... سأنتحـ ... نعم لقد تحدثت عن ذلك...

وثب رودولف هازاً بيده فروة شعره الحمراء, وأخذ يركض في الغرفة مجدداً فبدا مجنوناً. ثم توقف فجأة, ووجه نظره إلى نقطة واحدة, وقبض على ذقنه بيده اليسرى.

- اللعنة! اللعنة على هذه الشعرات الحمر وعلى هذا الوجه الأنمش.

ثم نتف شعره وضرب خديه .

- لو كنت جميلاً على الأقل ... أما أنت, أنت رائعة ... لو أنك كنت, لو أنني كنت ..., وإذا تقدمت طالباً يدك؟

ابتسمت إلزا, فقد بدا مضحكاً على نحو خارق للعادة في هذه الدقيقة ووجهه مضرج وشعره الأحمر منفوش.

- أشكرك, لكن عندي خطيب.

- هراء, طبعاً. أنا ببساطة سوف أجن وأبوح بأفكاري. أنت رائعة. لكن ما يلزمني هو ثروتك وليس أنت.

وأضاف بخبث بعد توقف قصير:

- غير أنني لم أستطع التفكير بأن مثل هذا الجمال يمكن أن يكون قاسياً هكذا, و ... طماعاً.

عبست إلزا.

- أنا لست طماعة.

- إذا ما الذي يعيقك عن رفض الإرث, وعن جعلي وشقيقاتي أسعد الناس؟

وفجأة قبض على يدها بعد أن هرع إليها, ونظر مباشرة نحو عينيها بكل قوة الرغبة غير المشبعة, وقال لاهثاً:

- ارفضيها! ارفضيها! ارفضيها!..

مر طيف على وجه إلزا الهادئ, فقطبت حاجبيها كما لو أن صراعاً دار في داخلها. وعلى الرغم من كل قلق رودولف, فإنه لاحظ ذلك وأخذ يطلب بقوة مضاعفة, لكن في هذه اللحظة اتخذ وجه إلزا تعبيراً هادئاً من جديد, وأغمضت جفنيها نصف إغماضة, ثم قالت بهدوء لكن بحزم:

- اتركني.

وحررت يدها واتجهت نحو الباب دون أن تقول كلمة أكثر.

- إلى أين أنت ذاهبة؟ انتظري!

انقض رودولف خلفها محاولاً إمساكها من يدها, لكن باب الغرفة انفتح في هذه اللحظة. ودخل كلب راكضاً ومصدراً زمجرة تحذيرية, ووقف بين رودولف وإلزا. ثم ظهر شتيرنر في إثر الكلب وقال:

- إي , هذا ليس جيداً, من ذا الذي يقبض على أيدي الخطيبات الغريبات؟

توقف رودولف وارتعش كما لو أنه مصاب بالحمى, وقاس شتيرنر بنظرة عدائية, فنظر شتيرنر إليه بهدوء وازدراء.



ضرب رودولف الأرض بقدمه واستدار بسرعة على عقبيه, وخرج من الغرفة راكضاً. وبعد أن قفز إلى داخل السيارة أخذ يتمتم كما في الهذيان:

- تلف كل شيء! تلف كل شيء!

سأله السائق:

- إلى أين ستذهب؟

- تلف كل شيء! تلف كل شيء! إلى لوديرس ...

ثم دخل راكضاً إلى غرفة لوديرس, متمتماً بهذه الكلمات ذاتها "تلف كل شيء", دون أن يعير انتباهاً إلى الزبونة التي كانت تجلس عند المحامي.

- لوديرس! تلف كل شيء ... لقد رفضت ... رفضت إلزا جميع النقاط, هذا ما كان ينبغي انتظاره ... غداً ستنتهي مدة تقديم الاستئناف. الوالد مفقود ... لو كنا نعرف على الأقل أنه مات ... لكن لا, وعندئذ سيكون الوقت متأخراً! لا يمكنك إقامة الوصاية خلال عدة ساعات ... تلف كل شيء ... بقي شيء واحد: تقديم الاستئناف ... وكالة والدي الموجودة باسمك لم تلغ ...

- لكن هذا لا أمل منه بوجود تصريح أوسكار غوتليب في القضية.

- مهما يكن , قدمه!.. من الممكن أن نجد الوالد حتى ذلك الوقت عندما سيعيدون النظر في القضية.

هز لوديرس كتفيه, لكنه فكر أنه ربما كان هذا صحيحاً. المهم ألا يفوت الموعد وهناك يمكن للظروف أن تأخذ منحى آخر.

قُدِمَ الاستئناف. لكن, كما في السابق, لم ترشح أخبار عن أوسكار غوتليب إطلاقاً. واستنفدت كل طرق المماطلة, فخسر آل غوتليب القضية في كل المراجع. وحازت إلزا غليوك حقوق الورثة.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:28 pm





8 - المبنى الزجاجي





انعكس ولع الصيرفي المرحوم بالتنظيم على معمارية بـيته, المبني وفقاً لآخر ما توصلت إليه تقـنية البناء المؤمركة. فقد عُرِّف جمال هذه المعمارية الجديدة بقاعدة جديدة هي قابلية الاستخدام. كان مبنى غوتليب الضخم الثلاثي الطبقات والممتد طولاً, مصنوعاً كله من الحديد والزجاج والبـيتون. وكان مظهره الخارجي مستقيماً بصورة مملة, مثل ورقة مسطرة في دفتر حسابات جارية. لم يحتو على خط منحن واحد يسر العيون, ولا على زخرفة. وأعطت ألواحُ الزجاج الضخمة المثبتة على كل الحائط المبنى هيئة حوض سمك عملاق. تهيأ أن الزجاج يمثل حماية هشة جداً للملايين التي أدارها مصرف غوتليب, لكن "السمكات الذهبية" الخاصة بهذه المسمكة حفظت عميقاً في قاعها, في طبقة تحت الأرض. وكان الفولاذ والبـيتون المستخدم في مستودع المال هذا قادراً على تحمل ليس غارات القراصنة الأرضيين فقط, وإنما الغارات الجوية أيضاً. كانت هناك مئات الأجراس الآلية والإشارات الضوئية والبيريسكوبات الخاصة, التي تعطي الحراس القابعين في الطبقة الأولى إمكانية أن يروا ما الذي يحدث في القبو. وحكمت الأبواب التي تغلق آلياً, والحواجز الكهربائية, وأجهزة التصوير السينمائي بالفشل على كل محاولة للتسلل إلى هنا بالقوة أو بالحيلة. وأنفق غوتليب في حينه كثيراً من النقود كي يعلن لكل العالم من خلال مندوبي الإعلام, الذين يصفون كل عجائب تقـنيات الحماية هذه, عن مناعة حصنه المصرفي, وليصد رغبة هواة الربح السهل في التسلل إلى الأقبية. وللحقيقة, فقد جرت محاولة واحدة فقط للاعتداء خلال عشر سنوات. وانتهت نهاية محزنة جداً للمقتحمين: فقد انصفق الباب الآلي بشدة على اثنين من السارقين الأكثر مهارة في مجال السرقة, كما تفعل المصيدة بالفئران.

التقطت آلة التصوير السينمائي التي عملت آلياً هذه الحادثة. وعرض هذا المشهد في جميع دور السينما كمثل عن الرذيلة المعاقبة. وللحقيقة فقد أكدت الألسنة الشريرة أن كل هذه السرقة كانت ممسرحة من غوتليب ذاته, الذي دعا مقابل مكافأة مجزية "ممثلين" معروفين في عالم الجريمة, ووعدهم بإطلاق سراحهم عندما تهدأ الضجة حول القضية. ومع ذلك فقد سرى مفعول المشهد, إذ نام الصيرفي والمودعون لديه باطمئنان.

توضع البنك بكل أقسامه في الطبقة الأولى الأرضية. كما وُجد هنا الحراس المسلحون, الذين لم تكن هناك حاجة لهم في الحقيقة, لكن الصيرفي حافظ على ملاك كبير جداً منهم "من أجل الزينة".

توضعت شقة غوتليب في الطبقة الثانية, حيث شغل الوسط منها المضافة وغرفة استقبال والسكريتاريا الخاصة والمكتب. الطرف الأيمن من المبنى كان مقسوماً إلى غرفتين موصولتين بغرفة المكتب, كان في إحداها منامة غوتليب, وعاش شتيرنر في الأخرى. حافظ شتيرنر على إغلاق هاتين الغرفتين دائماً, ولم يسمح للخدم بالدخول إلى هناك حتى من أجل التنظيف. وجد في الطرف الأيسر من الطبقة "معرض وحوش" شتيرنر: كلابه المروضة وذئاب وخنازير وقطط ودب. عاشوا جميعهم عيشة مشتركة في وحدة مؤثرة. فبعد أن تخلى عن منصبه العلمي تابع شتيرنر "عن هواية", كما قال, دراسة سيكولوجيا الحيوانات.

شغل ثلثا الطبقة الثالثة العلوية تقريباً ووسطها بمتحف للصور الفنية, الذي كان مدعاة لفخر غوتليب ومادة لمزحات الخبراء ونكاتهم. فلقد تواءم هنا في ذلك الاتحاد المؤثر, وجنباً إلى جنب مثلما فعلت حيوانات شتيرنر, كل من أندريه ديل كارتو الأصلي, مع كوريجيو المزيف بفظاظة, ولوحة زيتية لهاو غير معروف, مع رسم بالرصاص لليوناردو دافينشي. كانت اللوحات جميعها مرتبة في حوامل متوضعة في صف متعامد مع الحيطان الزجاجية. سمى غوتليب هذا "تنظيم الإضاءة". كان وسط القاعة خالياً, إذا لم يحتسب البيانو الواقف على منصة خشبـية. ومن أجل حفلات الغداء الاحتفالية جلبت من المستودعات طاولات مبتكرة قابلة للطي من تصميم غوتليب. وقد شغلت مكاناً قليلاً جداً في هيئتها المطوية, لكن جمعها كان عذاباً حقيقياً: خرج الخدم عن أطوارهم عندما كان عليهم تجميع قطع لا نهاية لها وألواح وعوارض… لقد ذكر هذا العمل بأحجية صينية. فالأقسام المنفصلة المركبة تركيـباً خاطئاً كانت تتناثر ولا تنصاع أو تدخل في الشقوق. كان الخدم يضطربون ويضطرب غوتليب أكثر.

- لكن, كيف لا تفهمون؟ هذا سهل جداً!

وكان يهرع من ذات نفسه ويجمع ويقتلع ويسند ويسقط وينكدم ويغضب أكثر من الجميع.

انتهى هذا الأمر الآن, إذ تهجع الطاولات بسلام في هيئة مفككة مثل صاحبها التعِس المقطع الأوصال. كانت القاعة خالية, لهذا كان يطيب الدخول من هنا إلى الحديقة الشتوية المجاورة. كانت أوراق النخيل العريضة تغطي حوض السمك الكبير. وضفرت النباتات المتسلقة مغارة صنعية. وأبهجت الأوركيديا الزاهية باختلاط ألوانها العيون.

أعطت الأرائك المريحة الموجودة بين شجرات الغار والدفلات المزهرات إمكانية الاستراحة وسماع الطيور المغردة الطائرة بحرية.

جاور الطرف الآخر من القاعة مكتبة تقع فوق غرفتي مكتب غوتليب المتوضعتين في الطبقتين الثانية والأولى. اتصلت الغرف الثلاث هذه جميعها بمصعد ثبت عليه مقعد. أحب غوتليب "الصعود" بعد العمل على مقعده المتحرك إلى المكتبة, المؤلفة استثنائياً من إصدارات فخمة في أغلفة غالية مشكلة بالختم بالذهب, كي يدخن سيجاراً هنا, لكنه لم يقرأ كتباً. وقلما استل كتاباً ما منها ففتحه وتأمل الصور.

- خشخاش منزلي , طيف رسغ القدم ... توجد مثل هذه الحيوانات السخيفة! تماماً بنظارات! تفو, شيء قبيح, سأراه في الحلم أيضاً.

وأغلق الكتاب بشدة ثم تمطى في تلذذ بعد يوم عمل.

خلت الغرفتان القاصيتان. إحداهما وجدت فوق غرفة نوم المرحوم غوتليب, والأخرى فوق غرفة شتيرنر.









قاد شتيرنر إلزا إلى هذه الغرفة الأخيرة عندما انتهت معاينة المبنى.

- هذه هي جميع ممتلكاتك. أعتقد أن إقامتك هنا ستكون جيدة. فهنا يوجد كثير من الضوء والهواء, مثلما هو في كل المبنى على أية حال. وليس دون أساس أن الموصي لك كان يملك تلك الهيئة الرائعة النضرة والخدين المتوردين.

ارتجفت إلزا عند التذكير بالموصي, وجرى ظل خفيف على وجهها.

عبس شتيرنر وقال بجد:

- إلزا, هل يعقل أن كل هذا لا يسرك؟ فأنت الآن واحدة من أغنى النساء في العالم. يمكنك أن تنفذي كل أهوائك. إذا كان هذا المبنى لا يعجبك, يمكنك النزول في واحد من المنازل الستة والعشرين التي تعود لك الآن في المدينة. يمكنك العيش في فيلاتك في نيس ومينتون وأوسبيداليتي وفي مايوركا والجزائر. ولم أعد أذكر أين ...

ثم تابع بعد أن فكر بشيء ما:

- لكن يجب أن يعجبك المكان هنا.

دوت إجابة إلزا مثل الصدى:

- نعم ينبغي أن يعجبني المكان هنا.

- ستقيم خادمتك في الغرفة المجاورة. في هذه الغرفة, مثلما هو في كل مكان, الأجراس الكهربائية أكثر من مسامير التنجيد في الأثاث. والهواتف أكثر من الأجراس أيضاً ... يمكنك طلب كل ما يطيب لك دون ترك المقعد. فنجان القهوة سيأتيك بنفسه على الناقل ... إلى لقاء قريب!

غطست إلزا في المقعد بتعب عندما خرج, وغطت وجهها بيديها وقد حنت رأسها. دقت الساعة بعيداً في مكان ما فانتشر رنينها انتشاراً مدوياً في القاعة الفارغة.

جلست إلزا طويلاً دون حراك.







فكرت بحياتها التي سارت بهذا الشكل الغريب. لقد عرفت الفقر باكراً, لأنها ابنة أهل فقراء ويتيمة الأبوين. كانت جميلة جمالاً غير طبيعي منذ طفولتها. وقد جلب هذا الجمال كثيراً من السعادة والكثير من المصائب إلى حياتها. إحدى العجائز الميسورات, وهي السيدة بـيكر الأرملة الوحيدة, قامت بضم البنت إليها بعد أن رأتها طفلة جميلة في الملجأ. كان عمر إلزا في ذلك الحين اثني عشر عاماً. وعاشت حتى السابعة عشرة في كنف السيدة بـيكر. كانت هذه السنوات الخمس الأفضل في حياتها. أحبتها العجوز, لا بل دللتها, علمتها تعليماً جيداً فتعلقت إلزا بها مثل التعلق بأم. لكن العجوز ماتت فجأة دون أن تترك وصية. رمى الأقرباء الصدقة لإلزا على نحو مهين جعلها ترفض مساعدتهم وتشرع في العمل. مرَّ عامان صعبان اضطرت خلالهما للتعرف على العالم من جوانب حقيرة. بمثل جمالها لم يكن صعباً عليها الحصول على مكان في مخزن. فقد وجدت هذه الأماكن, لكنها تركتها سريعاً بسبب الاعترافات السافرة جداً بشأن جمالها من جانب أرباب العمل. وقررت الانتقال إلى عمل آخر. درست الاختزال ليلاً. وعندما أنهت دراستها, تيسَّر لها الالتحاق بغوتليب. وهنا تعرفت إلى زاوير, وأحبته بسبب تعامله معها باحترام, فقد كان متأدباً دائماً وضابطاً لنفسه.

حصولها على التركة غيَّر مسار حياتها.

لم تستطع بحال من الأحوال أن تفهم كيف ولماذا قبلت التركة بعد أن كانت قد قررت رفضها.

سألت نفسها:

- لماذا؟ لماذا؟

وفجأة أصبح وجهها هادئاً. واغتمضت عيناها نصف إغماضة. وبقيت كذلك عدة دقائق. وفي النهاية تنفست بملء صدرها, مثل شخص خرج من مكان خانق إلى الهواء العليل. وعجبتْ لأنه لم يبق أثر من قلقها الغامض وكآبتها. نهضت وتمطت بلذة, كما لو أنها تمرن الأعضاء المتخدرة, ثم عاينت الغرفة بفضول.





- حقاً, المكان هنا مسل جداً. يا لها من رسمة خلابة على السجادة! كم هناك من الضوء! كم هو سهل التنفس!

ثم تنفست بعمق وأخذت تعاين مكانها الجديد بشعور جديد من فضول ما مشتد. تعاين المكتبة ومتحف اللوحات والحديقة الشتوية البديعة.

- وكل هذا ملكي!

وفكرت لأول مرة : "لكن شتيرنر محق من كل بد! يا لي من محظوظة!".

المصدر : منتديات مجالس الوفاء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:30 pm







9 - خمسون بالمئة علاوة





هبط شتيرنر بسرعة إلى الطبقة الثانية بعد أن ترك إلزا, فوجد في غرفة السكرتاريا الخاصة زاوير وإيما فيت والقهرمانة العجوز شميتغوف.

نظر إليه زاوير بعداوة وفيت وشميتغوف بقلق.

جميعهم لم يعودوا يعرفون كيف ستصاغ علاقاتهم اللاحقة بعد أن أصبحت إلزا غليوك مالكة كاملة الحقوق.

قال شتيرنر بحيوية:

- مرحباً أيها السادة! أنا من طرف المالكة الجديدة! لا تقلقوا على شيء, جميعكم ستبقون, لقد تحدثت مع إلزا ... الآنسة غليوك ... سيكون لدينا عمل كثير الآن ... ربة عملنا الجميلة غير مطلعة على العمل المصرفي. وعلينا , أنا وأنت بشكل رئيسي يا زاوير, يقع عبء إدارة أعمال مصرف إلزا غليوك.

قال زاوير بغيظ:

- أرجو ألا تقرر عني وألا تحدد واجباتي.

- نعم ... لكن كيف يمكن غير ذلك؟ على كل سنتحدث أيضاً. ينتظرني عمل مستعجل.

دخل شتيرنر إلى المكتب بسرعة وكتب شيئاً ما على طاولة مكتب غوتليب, وخبأ ما كتبه في درج الطاولة, ثم أغلق الباب بالمفتاح ودخل إلى غرفته. ثم خرج عائداً بسرعة وجلس مجدداً خلف طاولة مكتب غوتليب.

دخلت إلزا إلى غرفة المكتب, وظهر في إثرها زاوير وفيت وشميتغوف.

شكرت إيما والقهرمانة إلزا لأنها ستبقيهما عندها.

قال شتيرنر:



- آ! الآنسة غليوك, سعيد جداً بتفضلك بالمجيء إليَّ. كيف تشعرين بنفسك؟

- حسناً, أشكرك.

- هل أعجبك البيت؟

أجابت بحيوية:

- جداً! الطبقة العلوية مغمورة كلها بالشمس. تبدو وكأنك تسبح في محيط شمسي. أما هذه الحديقة الشتوية فهي زاوية خلابة. حقاً, لا حاجة للسفر إلى نيس مع امتلاك هذا الملجأ الأخضر بالقرب منك!

ابتسم شتيرنر بمرح:

- ممتاز! يعني أن كل شيء على ما يرام؟

ولدت حيوية إلزا المفاجئة وابتهاجها انطباعاً معاكساً لدى زاوير. فقد تيقظ ونظر إليها بارتياب, ثم أخذ يقضم شفتيه.

قال شتيرنر:

- تفضلي الآن وانزعي عن كاهليك عبء العمل, لقد حضَّرت وكالة عامة على اسمي وفقاً لرغبتك. تفضلي وقعيها.

تعجب زاوير وشميتغوف وحتى فيت الساذجة. كان يبدو طبيعياً للجميع أن الوكالة ستعطى لزاوير خطيب إلزا, أو في أقصى الأحوال ستقسم إدارة الأعمال بينه وبين شتيرنر.

أجابت إلزا برضا:

- نعم, نعم.

وأخذت الريشة.

- دقيقة واحدة!

قرع شتيرنر الجرس, فدخل إلى الغرفة الكاتب بالعدل العجوز مع شاهدين.

لاقاه شتيرنر:





- المعذرة لأننا نتعبك بدعوتك إلى المنزل على أساس المعرفة القديمة...

هز العجوز رأسه بمجاملة.

وقعت إلزا الوكالة, وانتهت الشكليات خلال عدة دقائق.

قال شتيرنر:

- ينبغي أن يكون كل شيء وفق الأصول. أشكركم! أنتم أحرار.

خرج الكاتب بالعدل وفيت وشميتغوف.

- ستبقى أنت يا زاوير مستشاراً قانونياً. لكن صيرفينا الجديد أطيب من القديم, وسوف يزيد أجرك بمقدار خمسين بالمئة. يلوح لي أنك أوصيت بذلك؟

أجابت إلزا:

- نعم, نعم!

أجاب زاوير الذي اخضر:

- أشكرك على هذا الشرف, لكني أرفض زيادتك والمنصب.

سألت إلزا وهي ترنو إلى خطيبها:

- لكن لماذا, يا أوتو؟ هل أنت تمزح؟

- تفاهم أنت هنا مع ربة العمل, أما أنا فلا وقت لدي. ينبغي النزول إلى المصرف بما أن العجوز كارل قد اخترع تلك الوسيلة الجديدة للمواصلات.

وتوارى شتيرنر في الباب الأرضي بعد أن ضغط الزر.

كررت إلزا بعد أن بقيت وحدها مع زاوير:

- هل أنت تمزح, يا أوتو؟

ولمست ذراعه برقة.

سحب زاوير يده بتقزز وصعَّر خده.

- لا أعرف من منا يمزح ... يبدو لي, أنك أنت يا آنسة غليوك ...

- أوتو!

- لكن مزحاتك تشبه التهكم فقط ... التهكم على الكرامة الإنسانية والحب والثقة والصداقة.



أخذ زاوير يتكلم والاستياء في صوته:

- إلزا! ماذا بك يا إلزا؟ لقد أكدت لي بأنك سترفضين التركة ثم خدعتني ... لماذا؟

- أوتو, لكن ألا تفهم أنه كان ينبغي ذلك؟ أو لست أنت ذاتك من رافع باسمي أمام المحكمة؟

- نعم, أنا رافعت … لا أعلم لماذا رافعت … إنها وسوسة ما شيطانية … مهما يكن, أنت طلبت مني وأنا فعلت … فأنا لا أستطيع أن أرفض لك طلباً … لكن أنت؟ أنت خدعتني! لقد أصبحت مليونيرة, وأيقظت مجدداً في داخلي كل شياطين الشكوك التي تعذبني. هذه التركة ستعيبك وتلطخ حبنا. وهذا ليس كل شيء: أنت تعطين الوكالة لشتيرنر فجأة!.. أي شكوك سوداء جديدة سوف توقظين أنت؟.. أنت معه في وفاق, أنت ... قريبة منه! أنت شريكة في جريمته. لقد استغفلتني مثل طفل.

- أوتو!

- اصمتي! هل يعقل أنك لا تفهمين ما يحاك حول اسمك من أساطير. لقد دنسوا اسمك, وستطير هذه الدناءة من الشوارع إلى هنا, إلى هذه المخادع الذهبية, فهي لن تحميك. أنت تعيشين معها في بيت واحد, أنت ...

- اهدأ يا أوتو, أتضرع إليك!

- كلا, لن أهدأ!.. لقد وجدت كل هذا قليلاً عليك. أنت تريدين إذلالي بعرضك زيادة خمسين بالمئة. ها - ها - ها!.. الحب والكرامة بخمسين بالمئة!

انفجر زاوير بضحك هستيري, ولم يستطع ضبط نفسه.

نظرت إلزا المصدومة إليه بعجز, وجرى في داخلها صراع رهيب. وفي النهاية لم تحتمل أعصابها فانفجرت باكية.

هدأ زاوير. نشج بعصبية, وتنفس بصعوبة من حين لآخر, ثم قال بهدوء بعد أن جلس في المقعد ووضع رأسه على يديه:

- كم أنا تعِس ... كم أنا تعِس!



اقتربت إلزا وعانقته.

- أوتو, هل يعقل أنك تظنني بمثل هذه الغباوة؟ فأنا أحبك! هيا اهدأ, يا حبيبي العزيز ... سأفعل كل شيء تقوله ...

- حقاً؟

أجابت إلزا بحزم:

- حقاً. لا تتهمني فأنا ذاتي لا أعرف كيف حصل كل هذا ...

نهض زاوير فنهضت إلزا في إثره, ثم قال وهو يشد على يديها:

- لا تلزمني الثروة, أنا أحبك أنت فقط, ومن أجل حبي أطلب الزواج منك غداً, هل تسمعين؟ غداً تحديداً وليس بعد ذلك, وغداً بالذات ستطردين من المنزل شتيرنر اللعين مع جميع كلابه!

- أنا موافقة.

- إلزا!

- أوتو!

ارتفعت أرضية المصعد دون ضجيج, ثم سمعا خلفهما فجأة صوت شتيرنر الساخر:

- أوهو! يتبادلان القبل! يا لـه من مشهد مؤثر!

انفصل أحدهما عن الآخر وحدقا.

جلس شتيرنر خلف طاولة المكتب ودخن سيجاراً.

صاح زاوير ممتعضاً:

- لماذا أنت هنا؟

أجابه شتيرنر بسخرية:

- بسبب الواجب الوظيفي والثقة التي أولتني إياها ربة العمل...

قاطعه زاوير:

- ربة عملنا غيَّرت قرارها. ستعطيك الحساب كاملاً. ستُلغى الوكالة الموجودة على اسمك. ومكافأة لك على خدماتك ستعطى أجر شهرين كاملين مع زيادة خمسين بالمئة.



قال شتيرنر وهو يحك جبينه:

- عليَّ إذاً أن أفتح سيركاً جوالاً.

لكنه تجهم بعد أن بقي وحيداً, وأخرج من درج الطاولة مخططاً ما وعاينه, ثم تمتم شيئاً ما بغضب, ودخل بسرعة إلى غرفته, وحبس نفسه فيها طويلاً.


المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:31 pm







10 - الفتاة ذات الإبريق المكسور





انقضى شهر.

جلست إيما فيت في مكانها المعتاد وكتبت على آلة الريمنغتون. سار زاوير بخطوات كبيرة في غرفة المكتب مدة طويلة, وهو ممتقع وغير حليق وتسريحته غير معتنى بها, ونظر إلى إيما شذراً. ثم اقترب منها متمايلاً من جانب إلى آخر, وأخذ ينظر إلى وجهها بتركيز.

ابتدأت أصابع إيما الرشيقة تعمل دون انتظام فوق ملامس الريمنغتون, واحمرت بتأثير من نظرة زاوير الثاقبة, ثم سألت دون أن تتوقف عن العمل:

- لماذا تنظر إلي هكذا, أيها السيد زاوير. كما لو أنك لم ترني قبلاً؟ أنت تعيقني عن العمل ...

- ولكنك يا آنسة إيما ذات جمال فائق!

ازدادت حمرة إيما, ولكنها لم تسعَ لاتخاذ هيئة من لم يسمع كلماته.

تابع زاوير:

- أمر غريب. أنت تعملين هنا منذ أكثر من عام, وأنا ألتقيك كل يوم. لكن كما لو أن عينيَّ تفتحتا خلال الشهر الأخير فقط: وجه بـيضاوي وديع, شعر ناعم يرغب المرء في لمسه وتمسيده, عينان بديعتان! فيهما بساطة طفولية ومكر شيطان صغير. أنت "الفتاة ذات الإبريق المكسور" حية.

- أنا لم أكسر أباريق قط.

- إنها لوحة غريوز. وأنت ...

- كفاك يا زاوير.





كان يطيب لإيما سماع زاوير, لكنها أخفت مشاعرها خوفاً من غضب إلزا, التي داهمتهما أكثر من مرة يتبادلان مثل هذا الحديث. كانت إلزا تمر قربهما بوقار, لكن إيما كانت تشعر أن "ربة عملها", مثلما نادتها الآن مازحة, كانت ترى وتفهم كل شيء.

- أنا لا أتعرف عليك يا سيد زاوير!

- أنا ذاتي لا أعرف نفسي يا صغيرتي. يؤكد الفلاسفة أن معرفة الذات هي أصعب المسائل في العالم ...

وحقيقة أنه ما كان ممكناً التعرف على زاوير. لقد توقف زاوير اللبق والمتأنق والمدقق عن الاهتمام بمظهره الخارجي, وهذا شيء لم يحدث سابقاً إطلاقاً. وبدأ بالتردد على المطاعم, والالتقاء بجماعة مشبوهة, واتخذ موقفاً مهملاً من العمل.

- هاك, أيتها الآنسة العزيزة فيت, كفاك قرقعة على هذه الآلة الموسيقية الخسيسة. حان وقت الانتهاء. لنذهب للأعلى, سأريك أسماكاً ذهبية جديدة في الحوض الموجود في الحديقة الشتوية. لقد استجلبها شتيرنر مؤخراً ليقدمها هدية إلى ربة عملنا

ترددت إيما, فنظر زاوير إلى باب غرفة المكتب نظرة ذات معنى وهو يبتسم.

- أتخافين ربة العمل؟

توردت إيما ونهضت.

- دقيقة واحدة فقط! فأنا أتعجل الذهاب إلى البيت.

لكن هذه الدقيقة امتدت أكثر من نصف ساعة.

ثرثر زاوير ولاطف دون انقطاع. احمرت إيما نتيجة خوف خفي من أن تباغت, ثم نهضت فجأة بعد أن نظرت إلى الساعة.

- يا إلهي, لقد تأخرت!

ثم خرجت من الحديقة الشتوية ودخلت إلى القاعة المقفرة بعد أن أصلحت تسريحتها.





- اسمعي يا إيما, لنذهب اليوم إلى المسرح سوية. وفي المساء نتعشى في الكونتيننتال ونستمع إلى فرقة الجاز.

لم تستطع إيما منع نفسها من الضحك, وهي التي اعتادت أن ترى زاوير جدياً.

تأبط زاوير ذراعها وسحبها نحو المخرج وهو ينزلق فوق الأرضية الخشبية.

راقبت إلزا هذا المشهد وهي تقف بين حيطان اللوحات, إذ غالباً ما تسكعت في الرواق.

عندما ابتعد زاوير وإيما خرجت إلزا الممتقعة من زاويتها, ومشت إلى الحديقة الشتوية, وجلست بتعب على المقعد قُبالة الحوض. خرت النافورة وتحركت السمكات الذهبيات ببطء خلف خضار الزجاج. عامت نحو السطح وأطلقت فقاعات هواء. ساد الهدوء. قبعت الطيور على الأغصان, وقد انتفش ريشها كما لو أنها تحت المطر.

خفضت إلزا رأسها فشاهدت حقيبة من الجلد الأصفر مرمية على الأرض وعليها حرفان فضيان استهلاليان "أ. ز.".

سمعت في تلك الأثناء صوت خطوات مقتربة فخطرت في بالها فكرة:

"نسي أوتو زاوير حقيبته وهو آت لأخذها".

أرادت الاختباء في المغارة كي لا تلتقي به, لكنها بقيت في مكانها بعد تفكير.

دخل زاوير وهو يدندن أغنية من أغاني الكاباريه, وعندما رأى إلزا ارتسم التعجب على وجهه واضطرب قليلاً, لكنه ما لبث أن اتخذ مظهراً غير متكلف.

- آ! هل تسمحين بالتنزه في الحدائق؟ هل تعجبك السمكات الذهبيات؟ أعتقد أنها فاتنة مع صلصة جيدة.

لكن المزحة لم تضحك إلزا.





- اسمع يا زاوير, ما الذي يعنيه كل ذلك؟

- عن ماذا تتحدثين يا آمرتي؟

- عن الذي حدث هنا الآن. وعموماً عن كل تصرفاتك خلال الشهر الأخير.

احمر زاوير.

- يمكنني يا آنسة غليوك أن أسألك السؤال ذاته. ما الذي يعنيه تصرفك؟ هل نفذت وعدك؟ هل أصبحت زوجتي, وهل طرد شتيرنر؟ إلام يستند حقك في مناقشة حرية تصرفاتي؟

- أنا لا أطالب بأي حقوق. أنا لا أتراجع عن وعودي رغم أنني لم أنفذها.

- لماذا؟

تكدرت إلزا بدورها. لماذا؟ هي ذاتها لا تعرف. لقد حدثت هنا مجدداً فجوة في وعيها. وعانت إحساساً كريهاً بفقدان الذاكرة, معروف لديها مسبقاً. واصطدم فكرها بحاجز غير مرئي مثل اصطدام ذبابة بزجاج شفاف.

خفضت إلزا رأسها وصمتت, في حين عاين زاوير ملامح وجهها وقوامها مستطلعاً, وفكر متعجباً.

"كيف استطعت أن أحبها؟ لا شيء مميز فيها! يوجد مقدار ما تريد من هذه التماثيل الحية الجميلة في كل مخزن من مخازن أزياء الموضة . رقبتها جميلة لكنها طويلة إلى حد ما. الغريب أنني لم ألاحظ ذلك سابقاً. وتانك الكتفان الضيقتان … والشامة الموجودة عند عينها اليسرى, إنها ليست في مكانها أبداً. هذه الشامة تشوهها حتماً!.."

- أنت لا تجيـبـين!.. ألا يوجد لديك ما تقولينه؟

أجابت إلزا أخيراً:

- لكنك أنت لم تترك العمل أيضاً. لماذا؟

أصابت المكان الموجع لدى زاوير. فهو حقيقة لم يترك العمل لسبب غير مفهوم لـه ذاته. فقبل شهر من الآن بردت عواطف زاوير نحو إلزا بروداً ما فاجأه هو ذاته, والتهب حباً تجاه إيما. كان يشعر من حين لآخر بوزر هذا, ووزر تصرفاته الأخرى: لقد أخرجه ذلك التنافر مع ذاته عن مسار حياته. كما لو أنه عانى فصاماً في الشخصية, وهذا ما عذبه. لذا عكف على اللهو كي ينسى, وسلك نمطاً مشتتاً من الحياة. لكنه لم يرغب في الاعتراف بعجزه عن إجابة نفسه على سؤال: لماذا لم يترك هذا المنزل؟ لقد أهاجه هذا فحوَّل السؤال إلى وجهة أخرى.

- آ. إذاً أنت ترغبين في التخلص مني بسرعة. كل شيء واضح الآن.

نظرت إلزا إليه بعتاب:

- أوتو, هل ستهـينني ثانية؟

- ارتاحي تماماً! لقد أتعب أحدنا الآخر إلى درجة كافية, وحان لنا أن ننهي هذه اللعبة. إذا أردت أن تعرفي, فأنا لا أذهب من هنا لأنني أحب إيما فيت. نعم أحبها, وسأطلب يدها اليوم بالذات!

بدا لـه هذا التعليل أكثر مطابقة للحقيقة, على الرغم من أنه شعر في مكان ما من وعيه الباطني بأنه يخدع نفسه: ألم يكن يستطيع المغادرة مع إيما سوية؟

استلقت إلزا على ظهر المقعد وقالت بهدوء فقط:

- أوتو!

حل الصمت . وتحرك في داخل زاوير شيء ما شبـيه بالشفـقـة. لكن ما لبثت أن لمعت فكرة: إنها تكذب وتتصنع, كما تفعل دائماً. لذا أخذ يتكلم بـهياج:

- وما الذي انتظرته مني؟ ألا يكفي أنني وافقت على لعب دور تشيتشيسبيه كما كان مألوفاً في وقت ما في البندقية!.. صديق البيت الرسمي! أنا أعتذر عن هذه الوظيفة الفخرية. بوجود ثروتك يمكن إيجاد راغبين آخرين. أما أنا فلتطرديني. إيما فيت لا تلتقط النجوم من السماء, ولا تدير المليارات. تتألف كل روحها من لولب واحد بسيط, لكن يمكن لهذه الفتاة أن تصبح زوجة شريفة.

لم تعترض إلزا وخفضت رأسها أكثر فأكثر, كما لو أنها تتلقى ضربات سوط.

رفع زاوير الحقيبة.







- زاوير فقير, لكن لا يمكن شراؤه بعلاوة خمسين بالمئة فوق أجره! اعذريني, إنهم ينتظرونني.

ثم خرج بعد أن انحنى بلطف مبالغ فيه, فتردد وقع خطواته بوضوح في القاعة الضخمة.

جلست إلزا مثل الذليلة, ثم أعادتها دقات الساعة إلى وعيها فارتعشت.

- الساعة الخامسة. شد ما تأخر الوقت!

تكاثفت عتمة الشتاء. خرجت إلزا من القاعة ونظرت حواليها فوقعت نظرتها بالمصادفة على البيانو. اعترتها رغبة مفاجئة بالعزف, فرفعت غطاء الآلة, ثم جلست وعزفت.

بدا لها أنها لم تعزف قط بمثل هذه الرغبة...

ارتعشت فجأة إذ شاهدت وجه شتيرنر أمامها. متى دخل؟.. وقف مستنداً إلى البيانو ونظر إليها. كان وجهه أكثر امتقاعاً من المعتاد وجدياً وحزيناً. كما ارتعشت شفتاه الدقيقتان بعصبية.

أطلقت إلزا صرخة وتوقفت عن العزف.

قال لها بصدق وبساطة:

- اعزفي, أرجوك!

تابعت إلزا بعد أن تمالكت روعها. فاستمع إلى العزف بانتباه فترة من الزمن, ثم أخذ يتحدث ببطء وهدوء:

- كم هو رائع عزفك! هل هذه "تمة"؟ "تمة" سان – سانس … يقولون أن التم يغني قبل الموت … لكن التم يعيش طويلاً, طويلاً جداً. فقط تلك الطيور المجروحة جروحاً مميتة تموت قبل وقتها. هل يعقل أنك مجروحة؟ من جرحك؟ وهل هو يستحق أن تموتي من أجله؟

سألته إلزا وقد توقفت عن العزف وأرخت يديها على ركبتيها:

- عمن تتحدث؟

- عنه, عن زاوير! هل هذا سر؟



تحرك في إلزا كبرياء المرأة, فقالت بجفاف وقد نهضت من وراء البيانو:

- أرجوك يا سيد شتيرنر ألا تتدخل في شؤوني الخاصة!

- نعم ولكنها شؤوني الخاصة أيضاً يا آنسة إلزا, فأنت تعلمين أنني أحبك!

- لكنك تعرف أنني لا أحبك.

- واأسفاه , في هذا تكمن كل التعاسة ... تعاستي وتعاستك. نعم, نعم, وتعاستك رغم أنك لا تفهمين هذا. كم كان كل شيء سيكون رائعاً لو أنك أحبـبتني! لو أنك أحبـبتني بنفسك.

قالها شتيرنر بمعنى خفي.

- وكيف يمكن أن تحب على نحو آخر؟

لم يجب شتيرنر.

- اسمعي يا إلزا, تعالي نتحدث بجدية. في هذه القاعة المنظمة لا يوجد حتى مكان للجلوس عليه ... لنذهب إلى الحديقة الشتوية, أرجوك!

جلسا على ذلك المقعد ذاته الذي كانت تجلس عليه إلزا تواً.

بدأ شتيرنر الحديث:

- لقد اجتزت مدرسة صعبة وتعرفين الحياة. أنت تعرفين كم هو صعب على الفتاة الجميلة والفقيرة أن تحصل على لقمة الخبز بشرف. أنت غنية الآن, ولكن للثروة ورطاتها. أنت تصبحين طعماً مضاعفاً بالنسبة للرجال. إذ غالباً جداً ما يهرع الدونجوانات والباحثون عن المتعة خلف الجمال, ويجري السفلة والأنذال خلف الثروة. ولا ضمانة عندك الآن بأن من ستختارينه سوف يحبك أنت وليس ثروتك. ما الذي سوف يكون بانتظارك عندئذ؟ لقد انتهى الأمر مع زاوير. وأنت وحيدة. انظري إلى الأشياء نظرة سليمة. لماذا لا يمكنني أن أصبح زوجك؟ أنت لا تحبـينني. لكنهم يقولون إن أكثر الزيجات سعادة هي تلك التي يكون العقل هو الواسطة فيها وليس الحب. يمكنك أن تحبـيني لاحقاً. هذه الحالات ليست نادرة ... ومن ثم ... لدي عمل ضخم وخطط عظيمة. وعلاقتك تجاهي تكبلني ولا تمكنني من التوسع إلى أقصى مدى ومن التفرغ كلياً للعمل ... أقول لك للمرة الأخيرة: احسميها!





هزت إلزا رأسها بالنفي.

قال شتيرنر مستعجلاً:

- كلا, كلا! لا تقولي لي الآن أي شيء. فكري بكل شيء بهدوء, زني اقتراحي ثم أعطني الإجابة ... اليوم هو الخميس ... الساعة السادسة من مساء الأحد هي آخر موعد!

انحنى شتيرنر ثم خرج.

دقت الساعة دقاً مدوياً معلنة السادسة.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:33 pm






11 - رحلة زواج لم تتم





أفاقت إلزا في الصباح وقد غاب عنها وضوح التفكير منذ فترة طويلة. كان عليها أن تقرر: هل تقبل عرض شتيرنر, أم ترفضه؟ لم تهتم لماذا كان عليها أن تقرر ذلك من كل بد. جلست إلزا بعد الإفطار الصباحي في ركنها المحبوب في الحديقة الشتوية مقابل الحوض, كي تتخذ قراراً نهائياً. ومع ذلك أعاقوها, إذ دخل خادم وأخبرها أن أوسكار غوتليب ينتظرها في غرفة الاستقبال, ويلتمس بشدة أن تقابله.

فكرت إلزا: "أوسكار غوتليب؟ من أين ظهر؟"

ومر في ذاكرتها حشد كامل من الذكريات العابرة عن المحاكمة القضائية.

هبطت إلزا إلى غرفة استقبال الطبقة الثانية.

مشى العجوز لملاقاتها وهو ينحني انحناءة خفيفة, فلم تعرف فوراً أنه شقيق الصيرفي المرحوم. لقد نحل أوسكار غوتليب, وأرخى لحية عريضة وكثيفة وشيباء عوضاً عن السكسوكة الصغيرة. أصبح وجهه أطول, وغار خداه, وازداد الانتفاخ تحت عينيه. لكن التغيير لم يمس المظهر فقط, إذ شعرت بالذل والمهانة في جميع وضعياته وحركاته, وتراكضت عيناه بقلق.

قال وهو يقبل يد إلزا:

- أقدم اعتذاراتي بسبب إقلاقك. لكن الحاجة القصوى تجبرني على هذا...

أشارت إلزا إلى المقعد.

- تفضل.

جلسا, فتنهد أوسكار غوتليب, ثم فتل القبعة في يده وصمت. وبعد أن تمالك نفسه تحدث بصوت مرتجف:

- أنا, في الحقيقة, لا أعرف كيف أبدأ ... اسمحي لي قبل كل شيء بأن أؤكد لك أنني استسلمت تماماً للواقعة الحاصلة ... تماماً ... لكن الحدث ذاته, الذي أدى إلى حرماني المفاجئ من التركة, وضعني في موقف صعب للغاية. تكمن القضية في أنه بعد وفاة أخي و ... بعد رفضك للإرث قمت ... بـِرَهْنِ ممتلكاتي ... ما العمل؟ فالشبـيبة تطمع كثيراً بالتسلية ... المدينة الكبيرة ... الثياب ... الكثير من الإغراءات ... نعم وكان ينبغي أن أصلح المزرعة. كانت الالتزامات قصيرة الأجل. لم أفكر بأنك ستغيرين قرارك, وأن كل شيء سيجري هكذا! أنا لا أقول هذا كي ألومك, ولكن كي أشرح لك. والآن, بعد أسبوع, ستباع ممتلكاتي في المزاد العلني لعدم سداد الدين. وأنا مفلس ... مفلس نهائياً في شيخوختي, وبين يدي كومة أطفال ... عندي خمسة منهم إضافة إلى زوجتي العجوز.

- ما هو مجموع دينك؟

ارتبك أوسكار غوتليب.

- مبلغ كبير, لا بأس به, بالنسبة لمواردي طبعاً. مئتا ألف ...

فكرت إلزا.

- تفضل انتظر وسأعطيك الجواب الآن.

لم يتوقع غوتليب أن يجري كل شيء بتلك البساطة, فأخذ يشكرها مقدماً بحرارة وذل.

مرت إلزا عبر غرفة السكرتاريا الخاصة, التي لم يكن فيها أحد بعد على الرغم من أن العمل كان قد ابتدأ في هذه الساعة.

فكرت إلزا: "غريب ما الذي يعنيه هذا؟"

ودخلت إلى غرفة كارل غوتليب حيث عمل شتيرنر على نحو دائم فوجدته هنا.

- شتيرنر, لقد أتى أوسكار غوتليب إلى هنا ...

رفع شتيرنر حاجبيه.

- وجدوه؟ أم أنه قام من بـين الأموات؟ وماذا في ذلك, الأفضل أن يأتي متأخراً من أن يأتي في غير وقته. ماذا يريد؟

- يلتمس نقوداً ... ستباع ممتلكاته في المزاد العلني.

- كم؟

- يقول إن ممتلكاته مرهونة بمئتي ألف.

صعر شتيرنر وجهه.

- يكذب! ممتلكاته بكل موجوداتها لا تساوي مئة ألف. رمل ونتآت ... سنعطيه مائة ألف وليتوارَ!

- اسمع يا شتيرنر, رغم ذلك أنا أشعر أنني مذنبة بغير إرادتي في تعاسته, ثم ... إنه مسكين جداً ... لم يكن من السهل عليه أن يأتي إلى هنا. أعطه مئتي ألف من فضلك!

انفجر شتيرنر ضاحكاً.

- من فضلك! هذا رائع! رئيسة بيت الصيارفة تطلب من مرؤوسها باحترام شديد! كل شيء ملكك, يا آنسة غليوك, وكلمتك قانون. عملي بسيط: أن أدير الدولاب وأنفذ أوامر المسؤولين.

وقع شيكاً بمبلغ مئتي ألف بسرعة, ثم وضع دفتر الشيكات في الطاولة وأغلقها بالمفتاح.

- هاك الشيك.

- أشكرك.

- ثانية! متى ستتعلمين أن تكوني ربة عمل؟

خرجت إلزا من غرفة المكتب وقدمت الورقة إلى غوتليب.

- تناول شيكاً بمبلغ مئتي ألف ...

أخذ أوسكار غوتليب الشيك بيد تهتز من الاضطراب, وعاد يشكرها مجدداً ويعتذر.

أجابته إلزا بحيرة:

- من فضلك, لا تشكرني, من الأفضل أن تحدثني ما الذي حصل معك؟ أين اختفيت بعد جلسة المحاكمة؟!

جلسا مجدداً.

- مرضت ... مرضت, وكان مرضي غريباً جداً. عندما خرجت من المحكمة اعتراني فجأة خوف من الناس وخجل ... كنت أخجل من الظهور أمام أعينهم. أنت تعلمين أن صور جميع المشاركين في المحاكمة القضائية قد طبعت في جرائد كثيرة. وتهيأ لي أن كل عابر سبـيل, وكل سائق عربة اجتازني, وحتى الأطفال يشيرون إلي بأصابعهم ويقولون: "ها هو ذا الشخص الذي حرمه أخوه من التركة بسبب تصرفه غير اللائق!" وهكذا, بما أن أحداً لم يعرف ماهية هذا التصرف غير اللائق, فإن كل واحد كان يستطيع التفكير كما يحلو له: من الممكن أنني قمت بالتزوير – قلدت توقيع أخي على الحوالات. ومن الجائز أنني اعتديت عليه محاولاً تسميمه. لذا هربت ...

تنهد العجوز.

- نعم لقد عشت كثيراً من الدقائق المرة يا آنسة ... هربت إلى مكان قريب جداً. لقد بحثوا عني في كل العالم, أما أنا فعشت في هذه المدينة ذاتها. اختبأت في مكان أمين عند صديقي العجوز الوحيد. وقلت له: "سأقتل نفسي إذا أفشيت سر وجودي حتى لشخص ‎واحد". لكن لم يكن هناك داع للحديث عن ذلك, فهو لم يكن سيفشيه حتى دون تحذير.

ابتسمت إلزا:

- لكن, اعذرني, ألم تخجل من هذا الصديق؟

- لا! والمدهش في الأمر, أنني لم أكن أعرف عنوانه, لكنني وجدت شقته بحدس غير مفهوم … وهكذا مضيت ووصلت … وما لا يقل إدهاشاً أيضاً أن صديقي استقبلني بطريقة وكأنه كان ينتظر هذا اللقاء, على الرغم من أننا لم نر بعضنا بعضاً عدة سنوات, كما أننا لم نتراسل. لم أتفرغ للبحث عنه وزيارته مدة طويلة. قال لي ببساطة: "ها أنت ذا قدمت".

عشت عنده وكنت أعاني طوال الوقت من شعور الخوف والخجل. كنت في أمسيات بعض الأحيان, كما لو أنني أثوب إلى رشدي. حتى إنني كنت أفكر بالخروج في اليوم التالي لاستنشاق الهواء النقي. لكن في الليل, كنت أشعر فجأة بالخوف والخجل المحرق يملآن نفسي ثانية, وبجذور شعري تتحرك على رأسي ... وسوسة ما تماماً! كنت أخبئ رأسي بإحكام بالملحفة, وأستلقي متوارياً خائفاً من أن أتحرك. وفي الصباح لم أكن أذهب إلى المطعم متذرعاً بألم في الرأس. كانت الستائر مسدلة بإحكام على نوافذ غرفتي.

قالت إلزا متأملة:

- كم هذا غريب!

- قرأت الجرائد, وتتبعت أعمال البحث عني وقد تجمدت من الخوف. لقد سارت في طريق خاطئة. وخلال كل تلك الفترة ابتسمت مرة واحدة فقط عندما قرأت في الجرائد أنهم "وجدوني" في مكان ما من الأرجنتين. لقد نسيت الآن في أي مدينة. طبعاً, تبـين أن ذلك خطأ. كان "شبـيهي" مزارعاً قدم إلى تلك المدينة في عمل خاص. وبالحكم على الصورة في الجريدة فقد كان يشبهني حقاً.

- وهل دامت طويلاً هذه الحالة لديك؟

- تماماً إلى ذلك اليوم الذي أصدر فيه آخر مرجع قضائي قراراً قطعياً ونهائياً لصالحك في القضية. عندئذ هان علي كل شيء فوراً, فعدت إلى المنزل حيث أقمت إلى أن استلمت إشعاراً بالمزاد الذي سيجري. فقررت أن الشخص الوحيد الذي يمكنه إنقاذي...

لم يكمل كلامه لأن زاوير وإيما فيت دخلا إلى الغرفة, فنهض غوتليب وأسرع خارجاً.

أذهل مظهر زاوير وإيما إلزا. كان زاوير يرتدي ثوباً رسمياً, وارتدت إيما فستاناً أبـيض مع باقة من الأزهار البـيضاء على صدرها. كان وجهاهما متهللين, وتأبط زاوير ذراع إيما.

- اسمحي لي يا آنسة غليوك أن أقدم زوجتي إيما زاوير. باركي لنا فقد تكللنا.

امتقعت إلزا ونهضت, فاندفعت إيما لتقبلها. لكنها توقفت مترددة وقد شاهدت حيرة إلزا.

تغلبت إلزا على اضطرابها وقبلت إيما ببرود, ومدت يدها لزاوير.

كانت إيما سعيدة جداً لدرجة لم تلحظ معها هذه البرودة. وأخذت تتمتم وقد شبكت ذراعيها على صدرها مثل الأطفال.

- أوتو هذا مضحك جداً.

وألقت نظرة مشرقة على زوجها.

- كنت وإياه في المسرح بالأمس فقال فجأة: "ينبغي أن نتكلل أنا وأنت الآن. لنذهب"

سألت إلزا:

- وهل عزمت على ذلك فوراً؟



صعرت إيما وجهها تصعيرة مضحكة جداً قالت فيها: "ومن يرفض السعادة".

- حدث كل شيء تلقائياً, بطريقة ما, فلم ننتظر نهاية المسرحية رغم أنها كانت ممتعة جداً ... عرضت تمثيلية ... يا إلهي, لقد نسيت!.. لكن أيها؟ هذا كله يستوي … ذهبنا نبحث عن الكاهن. لحق أوتو بذلك العجوز المضحك النعسان قبل أن يأوي إلى الفراش! فقرأ شيئاً ما. مرة وأخرى وكله جاهز! هل ستغضبين مني يا إلزا؟.

سألتها فجأة بوجل غير متوقع.

ارتسمت ابتسامة عفوية على وجه إلزا وهي تشاهد هذه السذاجة الطفولية, ثم عانقت صديقتها بشعور صادق وقبلتها.

- هل يمكن أن أغضب من الدمية؟ هل أنت سعيدة؟

أجابت إيما وقد قطبت حاجبـيها:

- للغاية!

لكن بسمة إلزا اختفت من وجهها عندما وقع نظرها على زاوير, الذي كان ينظر إلى إيما بعينين ولهانتين. وفكرت: "كلا , هذا الزواج ليس انتقاماً من جانب زاوير. فهو يحب إيما حقاً ... إنها وسوسة ما, وسوسة! من قال هذه الكلمة؟ نعم, أوسكار غوتليب … لقد تحدث عن الوسوسة . ما الذي يعنيه كل هذا؟ أنا أشعر مجدداً بأن أفكاري بدأت تتبلبل ..."

- آ - آ, زوجان حديثا القران!

قطع صوت شتيرنر الواقف عند باب غرفة المكتب سلسلة أفكارها.

فكرت إلزا بتعجب: "هل عرف؟"

كان من الصعب عليها احتمال مشهد المباركة مرة أخرى, خصوصاً بوجود شتيرنر. فخرجت خلسة.

قال شتيرنر بمرح:

- أهنئكما, أهنئكما.

صافح زاوير يد شتيرنر بقوة وبأكثر الأشكال حفاوة. وبدا كما لو أنه لم يتبق أثر من العداوة السابقة.

قالت إيما:

- نحن نفكر أن نسافر اليوم مساء لقضاء شهر العسل. هل ستعارضان أنت وإلزا؟

ارتسمت على وجه شتيرنر تعابـير التبرم, لكنه ابتسم لإيما بلطف فوراً.

- طبعاً, مفهوم, أيتها الدمية الرائعة!.. إلى أين تفكران بالسفر؟

- إلى نيس أو إلى النرويج. لم نقرر بعد. أوتو يريد النرويج وأنا أريد نيس ...

قال شتيرنر وهو يبتسم:

- هل يعني هذا أنكما ستقومان برحلة الزواج منفصلين؟

ثم تابع:

- سيتجمد أنفك الصغير في النرويج الآن. ينبغي أن تعتني بها يا زاوير. سوف تذهب إلى نيس, طبعاً!

- إذاً, الوداع. علينا أن نستعد للسفر!

وأمسكت زوجها من يده وشدته نحو المخرج.

- أسرع, أسرع يا أوتو, أنت أخرق جداً! أنا متأكدة أنني سأتأخر وإياك عن موعد القطار في كل الأمكنة!

عاش زاوير في فليغيل في شقة صغيرة مريحة.

هرع الشابان بانتعاش ومرح, وأخذا يرتبان الحقائب باستعجال ويتحدثان دون توقف.

- وهكذا, أ إلى نيس؟

- وما العمل؟ إلى نيس إذاً إلى نيس.

- يا إلهي, يجري كل هذا بتلك السرعة كما لو أننا نعاني حريقاً!.. يا لها من حقيـبة ثقيلة.

- يمكننا ألا نسافر ... ينبغي أن نرمي الكتب منها ... أعطني أدوات الزينة ...

- لن نسافر؟ إذاً أنت جننت! طبعاً سوف نذهب! لكن ثوب السفر؟

- سنشتريه بطريقنا. فستانك الرمادي مناسب جداً من أجل البداية.



جلسا على الأرض أمام الحقيـبة الكبـيرة, وأخذا يرميان الكتب. وفجأة تسمرا لمدة دقيقة, كما لو أنهما يستمعان لفكرة ما, ثم نظر أحدهما إلى الآخر بتعجب. وأخيراً سألت إيما:

- ما لنا نجلس على الأرض مثل البلهاء الصينيـين؟ لماذا جررت هذه الحقيـبة؟ هل عليك أن تذهب لقضاء عمل؟

أجاب زاوير:

- أنا لم أعتزم الذهاب إلى أي مكان. لا أعرف لماذا سحبت الحقيـبة. من الجائز أنك رغبت في مشاهدة هذه الكتب؟

- كتب؟ هذه الكتب المملة؟ يا لنا من غبـيـين! لقد جننا من السعادة!

ثم نهضت بعد أن ضحكا ضحكاً رناناً, وقفزت فوق الحقيـبة وقبلت زاوير.

عبس زاوير. فلسبب ما, أجبرته حادثة الحقيـبة المسحوبة على الاستغراق في التفكير.

- ما لك تجهمت؟ هل أنت مستاء مني؟

وأحنت رأسها بذلك المكر, بحيث عاد زاوير إلى مرحه من جديد وقال مبتسماً:

- مستاء طبعاً, إذ لم تكادي تسكنين معي حتى نشرت الفوضى!

- كلمة شرف, لست أنا وإنما هي وحدها!

وأشارت بقدمها إلى الحقيـبة.

- عودي إلى مكانك! عودي! هيا ساعدني أيها الثقيل.

دفعت إيما وزاوير الحقيـبة إلى ما تحت السرير. ولم يعد أي منهما يتذكر شيئاً عن السفرة قط.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 3:34 pm







12 - الساعة السادسة مساء





- لا تنسي يا إلزا, أن غداً هو الأحد. سأتسلم جوابك في الساعة السادسة مساء. أما الآن فأنا مغادر المدينة في عمل مستعجل. سأعود في المساء أو صباحاً. مع السلامة!

خرج شتيرنر من الحديقة الشتوية. بقيت إلزا وحدها, لكنها لم تفكر بجوابها لشتيرنر. كانت أفكارها متجهة إلى ناحية أخرى. لم تستطع أن تتعافى من الضربة, التي سببها لها زاوير بزواجه المفاجئ من إيما فيت. أحست بوحدتها إحساساً لم يسبق لـه مثيل.

تحركت السمكات الذهبـيات ببطء في الحوض, وهي تلتمع عند انعطافها هازة أذيالها الطرية بسلاسة.

حسدتهن إلزا. لقد عاشت السمكات في الأسر ضمن صندوق زجاجي مثلها هي, لكن كان لديهن مجتمعهن الصغير اللعوب, كما أنهن لم يعرفن الشكوك المضنية. لقد شعرت بنفسها أكثر تعاسة مما في أصعب أيامها في الحياة العملية. ما الذي أعطتها الثروة إياه؟

فالمحاكمة القضائية التي احتوت على سر ما والثروة فصلاها عن الحشد الصاخب للناس البسطاء الذين يعيشون كما يحلو لهم, فيتنزهون في الطرقات, ويذهبون إلى السينما. لقد استدعى الاهتمام كل خروج لها, ولاقتها آلاف النظرات الفضولية, لذا أعرضت عن الخروج. لم توجد لذات لا تستطيع أن تسمح بها لنفسها, ومع ذلك حرمت منها جميعها. فقط الحائط الزجاجي هو ما يفصل بـينها وبـين العالم الواسع المتلون بجميع الألوان. لكن هذا الحائط كان لا يقهر بالنسبة إليها, فهمست والحسرة في صوتها.

- ما أكثر تعاستي! ما أشد تعاستي!



وهكذا دقت الساعة دقاً مدوياً تردد في الغرف الفارغة مثلما حصل بالأمس ومثلما حصل في اليوم الثالث, وكما حصل في أيام كثيرة سابقة. زأرت سيارة في مكان ما بالأسفل, كان المغادر هو شتيرنر ... شتيرنر! علي أن أعطيه الجواب غداً. وشعرت أنه الموعد الأخير.

- لماذا ينبغي علي؟

مر الوقت. ومن الغريب أن أفكارها اتضحت أكثر فأكثر بعد رحيل شتيرنر, كما لو أن غشاوة قد انقشعت عن عينيها. أوسكار غوتليب ومرضه الشبـيه "بوسوسة ما". حب زاوير الغريب والمفاجئ لإيما والشبـيه بوسوسة…

وكل هذه السلسلة من التصرفات غير المنطقية والخرقاء والمتناقضة لدى الناس المحيطين بها منذ لحظة وفاة كارل غوتليب؟ أليس كل هذا شبـيهاً "بالوسوسة"؟ ها هي ذي الكلمة التي تعطي مفتاح السر! لكن من أين تأتي هذه الوسوسة؟ من يقف وراءها؟ شتيرنر! وحده. شتيرنر!

وماذا لو كان سبب كل هذا؟ حديثه الغريب في القارب, وتلميحاته إلى وجود سلاح ما جبار يستطيع بمساعدته إخضاع العالم. هل يعقل أن ذلك ليس ثرثرة فارغة؟ هل يعقل أنه يمتلك الوسيلة, وأنه يلعب بالناس مثلما تفعل الهرة بالفئران نصف المخنوقة؟ لكن من أين لـه هذه القوة؟ ما هو كنهها؟ من هو, قارئ غيب, كاليوسترو جديد؟ أم سفينغالي؟

وفجأة شعرت إلزا بتلك البرودة التي جعلتها ترتجف.

تمثل شتيرنر لها حدأة تنقض على طائر في البرية, وأنها هي هذا الطائر. ألا تهرب؟ كلا, لا مكان تهرب إليه من هذا الشخص. لن يفلتها من براثنه القابضة عليها.

نهضت إلزا وهي تتنفس بصعوبة, ثم هوت مجدداً على الأريكة وتملكها الرعب. ثم صرخت فجأة بطريقة جعلت الطيور تطير من الأغصان مرفرفة وخائفة.

ردد الصدى كلماتها بوضوح في القاعة.

- لا, لا, لا!

ومن الغريب أن الصدى المفاجئ نشطها على نحو ما, كما لو أن شخصاً ما قد ساندها, وكما لو أن صديقاً خفياً كرر لها "طبعاً , لا!". لا يجوز أن تستسلم دون مقاومة, لا يجوز أن تصبح لعبة معدومة الإرادة بيد شخص آخر, أو أن تسلم نفسها لإنسان تكرهه.

دخلت إلى القاعة كي تهدأ, وفكرت وهي تطوف في القاعة: "ما العمل؟ ما العمل؟". وبالمصادفة وقع نظرها على لوحة يظهر فيها فارس ما بدوي على حصان عربي, يلبس رداء أبـيض خفاقاً مع قلنسوة, وينطلق مندفعاً في الصحراء هارباً من متعقبـيه الذين أدركوه.

"هكذا تنبغي مقابلة خطر الموت! من الممكن أنه مات, لكنه ناضل حتى النهاية ... الهروب! الهروب مهما حدث !".

اقتربت إلزا من البـيانو وجلست على الصندلية([2]). وفجأة جال أمامها مشهد غير قديم, عندما وقف شتيرنر واستمع إلى موسيقاها. لم يسبق قط أن أثار لديها وجهه الطويل والشاحب مع ابتسامته الهازئة مثل هذا الارتعاد والقرف.

"الهرب دون إبطاء! لكن كيف؟ حتى النقود لا توجد لدي!"

وهمست بحرقة:

- مليارديرة! مليارديرة - شحاذة!.. بالأمس فقط أهدت غوتليب مئتي ألف, لكنها لم تأخذ لنفسها نقوداً من شتيرنر قط. شيء ما أمسكها عن ذلك, قد تكون الكرامة.

نعم ولماذا كانت تلزمها النقود؟ فهي تقريباً لم تذهب إلى المدينة قط. ولو حصل أنها اشترت شيئاً ما, فإنهم كانوا يوصلونه إلى البـيت, وكان شتيرنر يدفع لهم.

تذكرت فجأة أنه ينبغي أن تكون قد بقيت نقود في حقيبتها النسائية من آخر أجر استلمته. فذهبت بسرعة إلى غرفتها وفتحت الحقيبة باضطراب. كانت النقود في مكانها. لم تكن كثيرة, ولكنها تكفي للمغادرة. وبعد ذلك؟ يمكن لأي مصرف في كل مدينة أن يفتح لها اعتماداً غير محدود, ولكنهم سيرسلون الحوالة إلى مصرفها من أجل الدفع, وعند ذلك سيعرف شتيرنر إلى أين غادرت.

فكرت إلزا :

- أخ, كله سواء! من الأفضل أن تكون معدمة, على أن تذعن لما ينتظرها هنا ...

ارتدت ثيابها على جناح السرعة وهبطت إلى الطبقة الثانية. استلقى كلب كبـير مبقع عند باب المدخل وهز ذنبه بلطف عندما رآها. مسدته إلزا وأرادت تحريكه من مكانه, لكن الكلب الكبـير لم يتحرك. قامت بمحاولة لتجاوزه وفتح الباب, فوثب الكلب فجأة وشب ووضع قائمتيه الأماميتين على كتفيها, وهو يزمجر مهدداً ودافعاً إياها إلى الوراء. كانت خائفة من هذه النزوة المفاجئة للكلب فتراجعت, وقالت بلطف:

ما بك يا بوتسيفال؟

هز الكلب ذنبه, ولكنه زمجر زمجرة أكثر تهديداً لدى محاولة إلزا الثانية. لقد ترك شتيرنر حرساً مخلصين! هل تنادي طالبة المساعدة؟ لم ترد أن تثير ضجة. وفجأة دارت في خلدها فكرة. مضت بسرعة إلى غرفة مكتب غوتليب فوجدت الباب مفتوحاً.

الجلوس في المقعد المنتصب على أرضية المصعد وضغط الزر يتطلب دقيقة واحدة.

وهبطت إلى قسم المصرف فرحة بنجاحها.

"لقد فقتك في الدهاء يا شتيرنر!"

نظر الحراس بتعجب إلى ظهورها غير المعتاد, فخافت أن يكونوا قد حصلوا على أمر من شتيرنر بألا يدعوا أحداً يخرج. ولكنهم سمحوا لها بالمرور باحترام. اجتازت إلزا عتبة المبنى الذي أصبح بغيضاً بالنسبة إليها وقلبها ينبض بقوة.

تنشقت ملء صدرها هواء الربـيع, واختلطت بجمهور الشارع. يا لها من سعادة! لقد كانت حرة. انعطفت عند الزاوية ,واستقلت سيارة أجرة, وأمرت سائقها بالذهاب إلى أقرب محطة قطارات. فقط لتبتعد من هنا بأسرع ما يمكن!

شاهدت في المحطة حمالاً سألها إلى أين تريد أن تحجز البطاقة.

- كله سواء ... كم يمكنني أن أقطع بهذه النقود ...

ارتكبت إلزا عملاً طائشاً بإبهارها للحمال, إذ تركت أثراً في ذاكرة هذا الشخص, وبذلك قدمت خيطاً للبحث عنها. لكنها كانت مثل المحمومة, ولم تتبصر في كلماتها.

هدأ توترها العصبي فقط بعد أن أطلقت القاطرة البخارية صافرتها لآخر مرة واهتزت العربة بسلاسة. كانت حتى الدقيقة الأخيرة خائفة من مطاردة شتيرنر, على الرغم من معرفتها بعدم وجوده في المدينة.

كانت جاهزة لتبكي من الفرح عندما مرت ضواحي المدينة بسرعة وتكشفت الحقول. أكسبت شمس المساء أبنية المزارع لوناً ذهبـياً. ورعت القطعان وهي تتسكع ببطء فوق العشب الربـيعي الأخضر الزمردي. قادها كل شيء إلى الابتهاج. لم تتوقف عن النظر من النافذة والغناء بمرح:

أنا طائر حر وأريد أن أطير!

لم تفكر بالمستقبل. لقد ثملت من الحرية. واستغرقت في التفكير فقط عندما غابت الشمس وغطى الظلام سطح الأرض فأشعلوا النور في العربة.

- إي, لن يحدث أسوأ مما كان!

ثم خلعت ثيابها بسرعة وغفت بقوة وقد أنهكها القلق الذي عاشته, لكنها أفاقت فجأة كما لو أنها تعرضت لصدمة, وتطلعت حولها بحيرة. عربة ... كيف وصلت إلى العربة؟ تنامى الاضطراب في نفسها بسرعة, وكذلك شعور ما لم يكتمل بعد. نما هذا الشعور وتقوى وتوضح.

إلى الوراء! يجب أن تعود الآن دونما إبطاء إلى موضعها السابق! شتيرنر! شتيرنر الحبـيب! إنه ينتظرها! ومثل أمامها الوجه الحزين والعزيز دائماً, كما رأته عندما عزفت على البـيانو.

لبست بسرعة وخرجت إلى الممشى. توجه المسافرون النعسون كي يغتسلوا حاملين مناشفهم بأيديهم. كانت ساعة باكرة من الصباح.

- قل لي أيها المرافق, هل سنصل المحطة قريباً؟

أخرج المرافق السمين ساعة فضية كبـيرة ببطء يثير الاستياء, وفتح الغطاء دون استعجال ثم أجاب:

- بعد عشرين دقيقة يا آنسة.

ضربت إلزا الأرض بكعبها.

- شيء فاضح, كم هو طويل الانتظار! ومتى سينطلق قطار العودة.

- القطار المعاكس سينطلق في الوقت ذاته.

عضت إلزا شفتيها بسبب اللهفة. وفي النهاية عندما اقترب القطار من المحطة خرجت منه راكضة وهو يسير تقريباً, ودخلت إلى عربة القطار المقابل الذي سيقفل عائداً .

لم تكن تملك بطاقة فكتب المراقب محضراً, لكن إلزا لم تلاحظ حتى ذلك وهي تجيب تلقائياً على جميع الأسئلة. وقد نظر المراقب إليها باحترام وفضول عندما ذكرت كنيتها.

لم تجد إلزا مكاناً لها بسبب نفاد صبرها. خرجت من حجرتها وانتقلت من نافذة إلى نافذة مثيرة انتباه المسافرين بشكلها الغريب وحركاتها المضطربة. كانت جاهزة لتبكي بسبب الكدر الناجم عن أن القطار السريع يسير بذلك البطء. وسألت في كل دقيقة:

- هل سنصل قريباً؟

أخذ المسافرون الذين ملوا من الإجابة على استفساراتها يتحاشونها. عندئذ ذهبت إلى حجرتها, انبطحت على الأريكة, ضغطت صدغيها إلى حدود الألم, وكررت كما لو أنها تهلوس:

- لودفيغ! لودفيغ! لودفيغ!.. متى سأراك؟

توقف القطار أخيراً. فانطلقت إلزا عبر الرصيف وعبر القاعة وهي تدفع المسافرين, ثم ركضت من محطة القطارات ووثبت إلى داخل سيارة.

- إلى مصرف إلزا غليوك! أسرع, أسرع, أسرع! بأقصى سرعة ممكنة.

وقف شتيرنر وسط غرفة المكتب منتظراً إلزا, التي اقتحمت الغرفة بشعر أشعث وارتمت نحوه وعانقته بقوة وهي تنشج.

- لودفيغ, عزيزي, وأخيراً!

انعكست السعادة والحزن على وجه شتيرنر, وقال بصوت خافت وهو يقبل إلزا على عينيها المغلقتين:

- أنت لي!

ودقت الساعة السادسة.

المصدر : منتديات مجالس الوفاء

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الزعيم


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :







رقم العضويه : 1
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 2455
تاريخ التسجيل : 23/10/2011
تاريخ الميلاد : 16/03/1983
العمر : 35
الاقامه : مقيم بالسعوديه
العمل : مراجع حسابات
رسالة SMS :


الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 6:30 pm







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wewew2e.ba7r.org
محاسن


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :









رقم العضويه : 2
الجنس : انثى
عدد المشاركات : 1033
تاريخ التسجيل : 25/10/2011
تاريخ الميلاد : 09/11/1982
العمر : 35
الاقامه : السودان
رسالة SMS :



الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 6:54 pm






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عثمان


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :









رقم العضويه : 3
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 684
تاريخ التسجيل : 25/10/2011
تاريخ الميلاد : 03/04/1978
العمر : 40
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   الخميس ديسمبر 08, 2011 7:12 pm





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ربيعه


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :













رقم العضويه : 13
الجنس : انثى
عدد المشاركات : 716
تاريخ التسجيل : 28/10/2011
تاريخ الميلاد : 25/11/1979
العمر : 38
الاقامه : السعودية
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   السبت ديسمبر 10, 2011 9:59 am






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الطيب


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :













رقم العضويه : 7
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 529
تاريخ التسجيل : 27/10/2011
تاريخ الميلاد : 10/10/1981
العمر : 36
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   السبت ديسمبر 10, 2011 2:28 pm





لا يهمني أن أمتلك قلوب الناس
المهم أن أترك أثر بقلوبهم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
كتيابي


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :



















رقم العضويه : 29
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 290
تاريخ التسجيل : 05/11/2011
تاريخ الميلاد : 21/11/1978
العمر : 39
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   السبت ديسمبر 10, 2011 2:45 pm







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رحيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :








رقم العضويه : 18
الجنس : انثى
عدد المشاركات : 278
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 16/11/1991
العمر : 26
الاقامه : اليمن
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   السبت ديسمبر 10, 2011 3:44 pm










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عجيل


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


>{}{ مجالس الأسرة والمجتمع }{}<
مجلس عالم ادم

>{}{ مجالس التقنية و البرمجيات واخرى }{}<

مجلس الرسم والتصميم







رقم العضويه : 22
الجنس : ذكر
عدد المشاركات : 277
تاريخ التسجيل : 29/10/2011
تاريخ الميلاد : 12/01/1984
العمر : 34
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: رد: سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )   السبت ديسمبر 10, 2011 4:04 pm




مشكووووووووورين لمروركم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سلطان العالم ألكسندر بليايف رواية مترجمة من الخيال العلمي ( القسم الأول )
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: >{}{ المجالس الادبيه }{} :: مجلس الروايات { قصص و روايات } و الخواطر وعذب الكلام-
انتقل الى: