الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتقنوانين المنتديالتسجيلمدونة مجالس الوفاءدخول
ابرئ نفسي انا صاحب الموقع ، امام الله وامام جميع الزوار والأعضاء ، على مايحصل من تعارف بين الأعضاء او زوار على مايخالف ديننا الحنيف ، والله ولي التوفيق

شاطر | 
 

 هاروكي موراكامي قصة "كارثة المنجم في نيويورك" /بقلم عيون المها

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عيون المها


avatar

احترام قوانين المنتدى : احترام القوانين


الاوسمه :


















رقم العضويه : 15
الجنس : انثى
عدد المشاركات : 267
تاريخ التسجيل : 04/11/2011
تاريخ الميلاد : 16/11/1990
العمر : 27
الاقامه : السودان
الساعه الأن :

مُساهمةموضوع: هاروكي موراكامي قصة "كارثة المنجم في نيويورك" /بقلم عيون المها   الإثنين مارس 25, 2013 5:58 am




دأب أحد أصدقائي على الذهاب إلى حديقة الحيوانات كلما هبّ إعصار. وهو يفعل ذلك منذ قرابة عشر سنوات. فما أن يغلق معظم الناس خصاص نوافذهم، ويسرعون لتخزين المياه المعدنية، أو تفحّص أجهزة الراديو والمصابيح الكاشفة للتأكد من أنها تعمل، حتى يرتدي صديقي معطفاً من مخلّفات الجيش منذ أيام حرب فيتنام، ويدّس علبتيّ بيرة في جيوبه، وينطلق إلى حديقة الحيوانات التي لا تبعد عن بيته سوى خمسة عشر دقيقة.
وإذا لم يحالفه الحظ، وكانت حديقة الحيوانات قد أغلقت أبوابها "بسبب رداءة الطقس"، فإن صديقي يجلس على درجات تمثال السنجاب الحجري المنتصب إلى جانب مدخل الحديقة، ويحتسي البيرة الفاترة، ثم يقفل عائداً إلى البيت.

أما إذا وصل في الوقت المناسب، فإنه يسدد رسم الدخول، ويشعل سيجارة مبللة بالماء، ويبدأ يتمعن في تلك الحيوانات، الواحد تلو الآخر، التي يلوذ معظمها إلى جحورها وعرائنها. وكانت بعض هذه الحيوانات تقف هناك وهي تحدّق في المطر الهاطل بغزارة، فيما يتقافز بعضها الآخر هنا وهناك في الريح العاصفة. وينتاب بعضها الآخر الخوف من هذا الهبوط المفاجئ في درجة الحرارة والضغط الجوي، فيما يتحول بعضها الآخر إلى حيوانات شريرة.
ويحرص صديقي على أن يحتسي أول علبة بيرة أمام قفص النمر البنغالي. (إذ أن ردة فعل النمور البنغالية هي الأعنف والأشرس دائماً عندما تهب العاصفة)، أما العلبة الثانية فيحتسيها أمام قفص الغوريلا. ففي معظم الأحيان، يكون الغوريلا أقل الحيوانات تأثراً بالإعصار، إذ يقبع هناك وينظر إلى صديقي بعينين هادئتين وهو جالس مثل حورية بحر على الأرض الخرسانية يرشف البيرة، ولا بد أنه كان يشعر بالحزن والأسى عليه.

قال لي صديقي: "يبدو الأمر وكأنك موجود في مصعد تعطّل أثناء صعوده وتجد نفسك فجأة وأنت عالق في داخله مع أشخاص غرباء".
إذا وضعنا الأعاصير جانباً، فإن صديقي لا يختلف عن أي شخص آخر في شيء. وهو يعمل في شركة للتصدير تدير استثمارات أجنبية. وهي ليست من أفضل الشركات، بل شركة متوسطة. ويعيش وحده في شقّة صغيرة نظيفة ويبدّل صديقة كلّ ستّة أشهر. وهو يصرّ على أن يبدّل صديقاته كلّ ستّة أشهر (وهو يفعل ذلك دائماً كلّ ستّة أشهر بالتمام والكمال) ولم أفهم مغزى ذلك. إذ تبدو لي الفتيات جميعهن يشبهن بعضهن، وكأن إحداهن مستنسخة عن الأخرى، إلى درجة أنه يتعذر عليّ أن أميّز الواحدة عن الأخرى.

ويمتلك صديقي سيارة مستعملة جميلة، ومجموعة مؤلفات بلزاك، وبدلة سوداء، وربطة عنق سوداء، وحذاء أسود تلائم تماماً حضور جنازات. فكلما مات شخص، كنت أتصل به وأسأله إن كان بوسعي أن أستعيرها منه، رغم أن الحذاء كان أكبر من قدمي بمقياس واحد.
"آسف لإزعاجك مرة أخرى"، قلت له في آخر مرّة اتصلت فيها معه. "توجد جنازة أخرى".
"تفضل. لا بد أنك مستعجل عليها"، أجاب ثم قال: "لم لا تأتي في الحال؟"
عندما وصلت إلى بيته، كانت البدلة وربطة العنق موضوعة على الطاولة، مكوية بعناية، والحذاء ملّمعاً، وكانت الثلاجة مليئة بالبيرة المستوردة كالمعتاد.
"قبل أيام رأيت قطة في حديقة الحيوانات"، قال، وهو يفتح علبة بيرة.
"قطة؟"
"نعم، منذ أسبوعين. ذهبت إلى هوكايدو في رحلة عمل وذهبت لزيارة حديقة حيوانات بالقرب من الفندق الذي أقيم فيه. كانت توجد قطة تغط في النوم في أحد الأقفاص علقت عليه لافتة كتب عليها "قطة".
"أي نوع من القطط هي؟"

"مجرد قطة عادية. ذات خطوط بنية اللون، ولها ذيل قصير. وسمينة إلى حد لا يصدق. كانت مستلقية على جانبها، وظلت هكذا".
"لعل القطط غير معروفة كثيراً في هوكايدو."
"لا بد أنك تمزح"، قال مندهشاً، "لا بد أنه توجد قطط في هوكايدو. لا يمكن أن تكون قطة غير عادية".
قلت: "حسناً، انظر إلى الأمر بطريقة أخرى: لماذا يجب ألا يكون هناك قطط في حديقة الحيوانات؟" وأضفت: " إن القطط حيوانات أيضاً، أليس كذلك؟"
قال:"إن القطط والكلاب حيوانات عادية. ولن تجد أحداً يدفع نقوداً ليراها"، وأضاف: "إذا نظرت حولك فإنك ستراها في كل مكان. والشيء ذاته ينطبق على الناس".
عندما أنهينا احتساء صندوق البيرة المؤلف من ستة علب، وضعت البدلة وربطة العنق والحذاء في كيس كبير من الورق.
"إني آسف لأني أزعجك باستمرار"، قلت، "فأنا أعرف أنه يجب أن أشتري بدلة لي، لكن ليس لديّ وقت لأفعل ذلك. أشعر بأني إذا اشتريت بدلة لحضور الجنازات فكأني أعرب عن موافقتي إذا ما مات أحدهم".
قال: "لا توجد مشكلة. ففي جميع الأحوال فأنا لا أستعملها. من الأفضل أن يكون هناك شخص يستعملها على أن تظل معلقة في الخزانة طوال الوقت، أليس كذلك؟"
صحيح فهو لم يكد يرتدي البدلة منذ أن اشتراها منذ ثلاث سنوات.
"غريب، فمنذ أن اشتريت البدلة لم يمت ولا شخص واحد أعرفه"، قال موضحاً.
"هكذا هي الحياة".
فردد: "نعم، هكذا هي الحياة".
* *
ومن الناحية الأخرى، كانت هذه السنة سنة الجنازات بالنسبة لي. فقد راح الأصدقاء والأصدقاء السابقون يموتون الواحد تلو الآخر، مثل سنابل القمح التي تذوي وتذبل أثناء الجفاف. فقد كنت في الثامنة والعشرين من العمر. وكان أصدقائي جميعهم في حوالي السابعة والعشرين والثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين، وهو ليس العمر الملائم الذي يموت فيه المرء.
قد يموت شاعر وهو في الحادية والعشرين من عمره، أو شاب ثوري أو نجم روك في الرابعة والعشرين. لكنك تظن بعد ذلك أن كلّ شيء سيغدو على ما يرام، وأنك تجاوزت "منعطف الموت" وخرجت من النفق، منطلقاً مباشرة باتجاه المكان الذي تقصده على الطريق السريع ذي الحارات الست سواء – سواء شئت أم لم تشأ. إذ كنت تدأب على الذهاب إلى الحلاق وتقصّ شعرك، وتحلق ذقنك صباح كلّ يوم، أما الآن فلم تعد شاعراً، أو ثورياً أو نجماً من نجوم موسيقى الروك. ولا يعود يغمي عليك من شدة السكر وأنت في كشك الهاتف، أو تقرع الأبواب في الساعة الرابعة صباحاً، أو حتى تشتري بوليصة تأمين على الحياة من الشركة التي يعمل فيها صديقك، وتشرب في حانات الفنادق، وتتمسك بفواتير طبيب الأسنان ليخفضوا لك الضريبة، الذي يعتبر أمراً طبيعياً في سن الثامنة والعشرين.
لكن هذا ما حدث تماماً عندما بدأت المذبحة غير المتوقّعة. كان ذلك أشبه بهجوم مباغت في يوم ربيعي كسول – وكأن شخصاً يقف فوق هضبة وهمية، يحمل رشاشاً وهمياً، ويطلق علينا النار. ففي لحظة نبدّل ثيابنا، وفي لحظة أخرى لا تعود هذه الثياب تلائم مقاسنا: إذ تصبح الأكمام مقلوبة إلى الخارج، وإحدى ساقينا محشورة في فتحة بنطال، والساق الأخرى في فتحة بنطال آخر. فوضى تامة.
لكن هذا هو الموت. فالأرنب أرنب سواء كان يقفز من قبعة ساحر أو في حقل قمح. والفرن الحار هو فرن حار، والدخان الأسود المتصاعد من مدخنة هو ما هو - دخّان أسود يتصاعد من مدخنة.
وكان أول شخص يطأ بقدميه طرفي الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم (أو الوهم والحقيقة) صديقاً من الجامعة يدرّس حالياً اللغة الإنكليزية في المدارس الإعدادية. وكان قد مضى على زواجه ثلاث سنوات، وقد عادت زوجته إلى بيت أبويها في شيكوكو لتلد طفلهما.

وفي مساء يوم أحد دافئ على نحو غير اعتيادي من شهر كانون الثاني، توّجه إلى أحد المخازن الكبيرة واشترى علبتين من معجون الحلاقة وسكيناً كبيرة تكفي لقطع أذن فيل. ثم عاد إلى البيت وفتح صنبور حوض الحمّام. وأخرج من الثلاجة بضع قطع من الثلج، وجرع زجاجة ويسكي كاملة، واستلقى في حوض الحمّام، وقطع شرايين رسغيه. وبعد يومين اكتشفت أمّه الجثة. فجاءت الشرطة والتقطت صوراً كثيرة. وكان الدم قد صبغ الماء في حوض الحمّام وأصبح بلون عصير البندورة (الطماطم). واعتبرت الشرطة أن الحادثة انتحار. إذ كانت جميع الأبواب موصدة، وبالطبع كان المتوفى هو الذي اشترى السكين. لكن لماذا اشترى علبتين من معجون الحلاقة اللتين لم يكن ينوي استعمالها؟ لم يعرف أحد سرّ ذلك.
ربما لم يخطر بباله عندما كان في المخزن الكبير أنه سيكون بعد ساعتين في عداد الأموات. أو ربما خشي أن يعرف أمين الصندوق أنه سيقتل نفسه.
ولم يكتب وصية أو رسالة وداع. ولم يكن يوجد على طاولة المطبخ سوى كأس، وزجاجة الويسكي الفارغة ودلو صغير فيه ثلج، وعلبتي معجون الحلاقة. وفيما كان ينتظر حتى يمتلئ حوض الحمّام بالماء، وهو يجرع كأساً إثر كأس من ويسكي "هيغ" بدون ماء، لا بد أنه حدّق في هاتين العلبتين وفكّر بشيء من قبيل: "لن أحلق ذقني مرة أخرى على الإطلاق".
إن موت رجل في الثامنة والعشرين شيء حزين مثل مطر الشتاء.
خلال الإثني عشر شهراً التالية، مات أربعة أشخاص آخرين.
فقد مات أحدهم في شهر آذار في حادثة في حقل نفط في المملكة العربية السعودية أو في الكويت، ومات اثنان في شهر حزيران إثر نوبة قلبية وحادث مرور. ومن تموز إلى تشرين الثاني ساد نوع من الهدوء، لكن في كانون الأول ماتت صديقة أخرى، في حادث تحطّم سيارة أيضاً.
وبخلاف صديقي الأول الذي انتحر، لم يكن لدى هؤلاء الأصدقاء وقت كاف ليدركوا أنهم سيموتون. فقد كان الأمر بالنسبة لهم مثل صعود درج كانوا قد صعدوه مليون مرّة من قبل وبغتة وجدوا أن درجة قد اقتلعت من مكانها.

"هل سترتبين لي السرير؟" سأل الصديق الذي مات إثر نوبة قلبية زوجته، الذي كان يعمل مصمم أثاث. كانت الساعة الحادية عشر قبل الظهر. كان قد استيقظ في الساعة التاسعة، وعمل قليلاً في غرفته، ثم قال إنه يشعر بالنعاس. توّجه إلى المطبخ، وأعدّ قليلاً من القهوة واحتساها. لكن القهوة لم تسعفه. قال في نفسه: "أظن أني سآخذ قيلولة. إني أسمع صوت طنين خلف رأسي". تلك كانت عبارته الأخيرة. تكوّر في السرير، وغط في النوم، ولم يستيقظ ثانية.
أما الصديقة التي ماتت في كانون الأول فكانت أصغرهم جميعهم، والمرأة الوحيدة بينهم. كانت في الرابعة والعشرين من العمر، وكانت تشبه امرأة ثورية أو نجمة من نجمات الروك. فذات ليلة ماطرة باردة قبل عيد الميلاد، وجدت مستلقية في ذلك المكان المأساوي بين شاحنة وعمود هاتف خرساني.
بعد أيام قليلة من آخر جنازة، توجهت إلى شقّة صديقي لأعيد له البدلة التي أخذتها من محل التنظيف الجاف، ولأقدم له زجاجة الويسكي لأعرب له عن شكري وامتناني.
"لا أعرف كيف أشكرك. إني أقدّر لك ذلك حقاً"، قلت.
كالعادة، كانت ثلاجته مليئة بعلب البيرة الباردة، وكانت أريكته المريحة تعكس شعاعاً فاهياً من نور الشمس. وعلى المنضدة الصغيرة كانت هناك منفضة سجائر نظيفة وأصص نباتات عيد الميلاد.
أخذ البدلة مني، في غطائها البلاستيكي، وكانت حركاته تشبه حركات دبّ خرج لتوه من مرحلة السبات، ووضعها جانباً بهدوء.
قلت: "أرجو ألا تكون رائحة البدلة تشبه رائحة جنازة".
فقال: "إن الثياب ليست هامة. بل المشكلة الحقيقية تكمن في من يرتديها".
"ممممم" همهمت.

"جنازة بعد أخرى بالنسبة لك خلال هذه السنة"، قال، وقد مدّ يده وهو جالس على الأريكة ليصبّ البيرة في الكأس، وسأل: "كم بلغ عدد الجنازات التي حضرتها حتى الآن؟"
"خمس جنازات"، قلت فارداً أصابع يدي اليسرى، وأضفت: "لكني أظن أنها انتهت لهذا العام".
"هل أنت متأكّد من ذلك؟"
"لقد مات عدد كاف من الأصدقاء".
قال: "إنها مثل لعنة الأهرامات أو شيء من هذا القبيل"، وأضاف: "أذكر أني قرأت ذلك في مكان ما. تستمرّ اللعنة حتى يموت عدد كاف من الناس، وإلاّ يظهر نجم أحمر في السماء ويغطي ظلّ القمر الشمس".
بعد أن أجهزنا على ست علب من البيرة، بدأنا نحتسي الويسكي. تسلل ضوء الشمس الشتائي برقة إلى الغرفة.
قال: "تبدو مكتئباً بعض الشيء هذه الأيام".
سألته: "أتظن ذلك؟"
فأجاب: "لا بد أنك تفكّر كثيراً ببعض الأشياء في منتصف الليل. يجب ألا تفكّر بهذه الأمور في الليل".
"وكيف يمكنك أن تفعل ذلك؟"
"عندما يعتريني شعور بالاكتئاب، أشرع في تنظيف البيت، حتى لو كان ذلك في الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً. إذ أغسل الصحون، وأنظّف الموقد، وأكنس الأرض، وأبيّض مناشف تجفيف الصحون، وأنظم دروج منضدتي، وأكوي كلّ قميص تقع عيني عليه"، قال وهو يحرّك كأسه بإصبعه. "إني أفعل ذلك حتى أصبح منهكاً، ثم أتناول مشروباً وأنام. وفي الصباح أستيقظ وما أن أبدأ في ارتداء جوربي حتى لا أعود أتذكر ما كنت أفكّر به".

تلفّت حولي مرة أخرى. وكما هو الحال دائماً، كانت الغرفة نظيفة ومرتبة. "إن الناس يفكّرون بأشياء كثيرة في الساعة الثالثة صباحاً. كلنا نفعل ذلك. لذلك يجب على كلّ واحد منا أن يجد طريقة ليطرد هذه الأشياء من تفكيره".
"أظن أنك على حق"، قلت.
"حتى الحيوانات تفكّر بأشياء في الساعة الثالثة صباحاً"، قال وكأنه يتذكر شيئاً، "هل حدث أن ذهبت إلى حديقة الحيوانات في الساعة الثالثة صباحاً؟"
"لا" أجبت بغموض، "بالطبع لا".
"لقد فعلت ذلك مرّة واحدة فقط. لي صديق يعمل في حديقة الحيوانات، وقد طلبت منه أن يسمح لي بالدخول عندما يعمل في نوبة الليل. ليس من المطلوب أن تفعل ذلك"، هزّ كأسه وأضاف: "كانت تجربة غريبة. لا أستطيع أن أفسرها لك، لكني أحسست وكأن الأرض قد انشقت بسكون تام، وبدأ شيء يخرج منها زاحفاً. بدا أن هناك شيئاً غير مرئي يموج في الظلام. كان وكأن الليل البارد قد تخثّر. لم أتمكن من رؤيته، لكني شعرت به، وأحست به الحيوانات أيضاً. وهذا جعلني أفكّر بأن الأرض التي نمشي عليها تصل إلى باطن الأرض، وأدركت فجأة أن باطن الأرض قد امتص قدراً كبيراً من الزمن".
لم أقل شيئاً.
"على أي حال، لا أريد أن أذهب مرة أخرى إلى حديقة الحيوانات في منتصف الليل".
"هل تفضّل حدوث إعصار؟"
فقال: "نعم، اعطني إعصاراً كلّ يوم".
* *

رن الهاتف فتوّجه إلى غرفة نومه ليرّد على المكالمة. كانت صديقته المستنسخة، ومكالمة هاتفية مستنسخة لانهائية أخرى. أردت أن أقول له إنه كان يوماً حافلاً، لكنه ظل يتكلم على الهاتف إلى الأبد. لم أعد أنتظره وفتحت التلفزيون. كان جهازاً ملوناً حجمه سبعة وعشرون بوصة وله جهاز تحكّم عن بعد، لا تكاد تلمسه حتى تتغير القناة. كان للتلفزيون ستة مكبرات صوت وصوت ضخم. لم أر في حياتي مثل هذا التلفزيون الرائع.
أجريت دورتين كاملتين على القنوات قبل أن أتوقف عند برنامج إخباري. اشتباك على الحدود، حريق، أسعار الصرف في ارتفاع وهبوط، قيود جديدة على استيراد السيارات، مباريات السباحة الشتوية في الهواء الطلق، انتحار أسرة. بدا لي أن جميع هذه الأخبار يرتبط أحدها بالآخر بطريقة ما، تماماً مثل الأشخاص في صورة تخّرج في الثانوية.
"هل توجد أخبار مثيرة للاهتمام؟" سأل صديقي عندما عاد إلى الغرفة.
"ليس في الواقع"، قلت.
"هل تشاهد التلفزيون كثيراً؟"
هززت رأسي وقلت: "لا يوجد عندي تلفزيون".
"على الأقل هناك شيء جيد في التلفزيون"، قال بعد فترة صمت، ثم أضاف: "تستطيع أن تغلقه عندما تشاء. ولا أحد يتذمر من ذلك".
ضغط زرّ الإطفاء في جهاز التحكم. وعلى الفور أصبحت الشاشة سوداء. لكن الغرفة ظلت مضيئة. أما في خارج النافذة، فقد بدأت الأضواء تنير في البنايات الأخرى.
لبثنا جالسين هكذا قرابة خمس دقائق، نحتسي الويسكي، ولا يوجد شيء نتحدث عنه. رّن الهاتف مرة أخرى، لكنه تظاهر بأنه لم يسمعه. وما أن توقّف الهاتف عن الرنين، حتى ضغط على زرّ جهاز التحكم فعادت الصورة في الحال، وظهر على الشاشة مذيع يقف أمام رسم بياني ويحمل بيده مؤشراً يشرح بواسطته التغيرات التي طرأت على أسعار النفط.
"أترى؟ حتى أنه لم يلاحظ أننا أطفأناه لمدة خمس دقائق".
"صحيح"، قلت.
" لماذا في رأيك؟"

كان التفكير بهذا الأمر مشكلة كبيرة بالنسبة لي، لذلك هززت رأسي وقلت: "عندما تطفئه، يتوقف أحد الجانبين عن الوجود. إنه هو أو نحن. ما أن تضغط على الزر حتى يصبح هناك تعتيم على الاتصالات. إنه أمر سهل"، وأضفت: "هناك طريقة واحدة في التفكير في الأمر".
"هناك ملايين الطرق في التفكير. ففي الهند يزرعون أشجار جوز الهند. وفي الأرجنتين تمطر السماء سجناء سياسيين من الطائرات المروحية". أطفأ التلفزيون مرة أخرى، وقال: "لا أريد أن أقول شيئاً عن الشعوب الأخرى. لكن فكّر في أنه توجد طرق للموت لا تنتهي بالجنازات. أنواع من الموت لا تستطيع أن تشمها".
أومأت بصمت. خيّل إليّ أني فهمت ما يرمي إليه. وفي الوقت نفسه، شعرت بأني لم أعرف ما يقصده تماماً. كنت متعباً ومشوّشاً بعض الشيء. جلست هناك أعبث بإحدى أوراق النباتات الخضراء.
قال بحماس: "يوجد لديّ قليل من الشمبانيا التي كنت قد أحضرتها عندما كنت في رحلة عمل إلى فرنسا منذ فترة. لا أعرف الكثير عن الشمبانيا، لكن من المفترض أنها ممتازة. هل تريد قليلاً منها؟ قد تكون بحاجة إلى قليل من الشمبانيا بعد حضورك سلسلة الجنازات تلك".
أخرج زجاجة الشمبانيا المبرّدة وكأسين نظيفين ووضعهما بهدوء على الطاولة، ثم ابتسم بخبث وقال: " كما تعرف فإن الشمبانيا عديمة الفائدة تماماً"، وأضاف قائلاً: الشيء الجيد الوحيد فيها هو عندما تطلق الفلينة صوت فرقعة".

"لا أستطيع أن أجادلك في هذا الأمر"، قلت.
فتحنا الزجاجة وفرقعت الفلينة، وتحدثنا قليلاً عن حديقة الحيوانات في باريس والحيوانات الموجودة هناك. كانت الشمبانيا رائعة.
* *
حضرت حفلة رأس السنة التي يقيمونها سنوياً في عشية السنة الجديدة في إحدى الحانات في منطقة روبونغي التي تُستأجر خصيصاً لهذه المناسبة. وكان هناك عزف ثلاثي على البيانو، والكثير من الطعام اللذيذ والشراب الجيد، وصادفت شخصاً أعرفه، ورحنا نتجاذب أطراف الحديث قليلاً. كان عملي يقتضي أن أحضر كلّ سنة. لم أكن أحبّ الحفلات، لكنني حضرت هذه الحفلة لأنه لم يكن لديّ شيء أفعله عشيّة رأس السنة الجديدة، وكان بإمكاني أن أقف هناك وحيداً في الركن، مسترخياً، أشرب، وأستمتع بالموسيقى. لا أشخاص مقيتين، ولا حاجة لأن أتعرف على غرباء وأنصت إليهم وهم يتشدقون لنصف ساعة عن كيف أن طعام النباتيين يشفي من مرض السرطان.
لكن في مساء ذلك اليوم عرّفني أحدهم على امرأة. وبعد حديث عادي، حاولت أن أنكفئ وأعود إلى زاويتي ثانية. لكن المرأة تبعتني إلى مقعدي، وكأس الويسكي في يدها.
"لقد طلبت أن أتعرف عليك"، قالت برقة.

لم تكن من النوع الذي يدير رؤوس الرجال، مع أنها كانت جذّابة.
كانت ترتدي فستاناً أخضر من الحرير غالي الثمن. خمنت أنها في الثانية والثلاثين من عمرها تقريباً. كان بوسعها أن تجعل نفسها تبدو أصغر سناً بسهولة، لكنها يبدو أنها كانت تظن أن الأمر لم يكن جديراً بالمحاولة. وكان تزين أصابعها ثلاثة خواتم، ورفّت على شفتيها ابتسامة واهية.
قالت: "إنك تشبه شخصاً أعرفه. ملامح وجهك، ظهرك، الطريقة التي تتكلّم بها، مزاجك العام – إنه لشَبَه يثير الدهشة. إني لم أرفع عيني عنك منذ أن وصلت".
"إذا كان يشبهني إلى هذه الدرجة، فإني أريد أن ألتقي به"، قلت. ولم يخطر ببالي شيء آخر أقوله لها.
"هل حقاً تريد ذلك؟"
"أريد أن أرى كيف يشعر المرء عندما يلتقي بشخص يشبهه تماماً".
ازدادت ابتسامتها إشراقاً لوهلة، ثم عادت إلى ما كانت عليه وقالت: "لكن هذا مستحيل. لقد مات منذ خمس سنوات. عندما كان في نفس عمرك الآن".
"صحيح؟" قلت.
"لقد قتلته".

كان الثلاثي على وشك أن ينهوا معزوفتهم الثانية، وانطلق تصفيق فاتر.
"هل تحبّ الموسيقى؟" سألتني.
"أحبها إن كانت موسيقى لطيفة في عالم لطيف"، قلت.
"في عالم لطيف لا توجد موسيقى لطيفة"، قالت، وكأنها تكشف سراً عميقاً، وأضافت: "في عالم لطيف، لا يتذبذب الهواء".
"نعم"، قلت، ولم أعرف كيف أردّ عليها.
"هل شاهدت الفيلم الذي يعزف فيه وارن بيتي البيانو في ناد ليلي؟"
"لا، لم أشاهده".
"تكون فيه إليزابيث تايلور واحدة من زبائن النادي، وهي حقاً فقيرة وبائسة".
"هممم".
"ويسأل وارن بيتي إليزابيث تايلور إن كانت لديها أي طلبات".
"وهل طلبت منه شيئاً؟"
"نسيت. إنه حقاً فيلم قديم".
كانت خواتمها تتلألأ وهي تشرب الويسكي. "إني أكره الطلبات. تجعلني أبدو حزينة. إنها مثل عندما آخذ كتاباً من المكتبة. ما أن أبدأ في قراءته حتى يصبح كل همي متى أنهيه".
وضعت سيجارة بين شفتيها. أشعلت عود ثقاب وأشعلت لها السيجارة. قالت: "لنر، كنّا نتحدّث عن الشخص الذي يشبهك".
"كيف قتلتيه؟"
"ألقيت به في خلّية نحل".
"إنك تمزحين، صحيح؟"

"نعم"، قالت.
بدلاً من أن أتنفس الصعداء، أخذت جرعة من الويسكي. كان الثلج قد ذاب ولم يعد طعمه يشبه طعم الويسكي.
"بالطبع، من الناحية القانونية أنا لست قاتلة"، قالت. "ولا من الناحية الأخلاقية".
إنها ليست قاتلة، لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الأخلاقية. استعرضت النقاط التي عرضتها مع أني لم أكن أريد ذلك. "لكنك قتلت شخصاً".
"صحيح"، أومأت بسعادة، "شخص يشبهك تماماً". في وسط الغرفة أطلق رجل ضحكة عالية. وراح الذين يتحلقون حوله يضحكون أيضاً. كؤوس تُقرع. بدت بعيدة جداً لكنها شديدة الوضوح. لا أعرف السبب، لكن قلبي كان يخفق بقوة، وكأنه كان يتوسّع أو يصعد ويهبط. أحسست وكأني أمشي على أرض تطوف فوق الماء.
"استغرق قتله أقل من خمس ثوان"، قالت.
صمتنا لبرهة. كانت تأخذ وقتها، تتذوق طعم الصمت.
"هل فكرت أبداً بالحرية؟" سألتني.
"أحياناً"، قلت. "لماذا تسألين؟"
"هل تستطيع أن ترسم أقحوانة؟"
"أظن ذلك. هل هذا اختبار شخصية؟"
"تقريباً"، ضحكت.
"حسنا، هل نجحت؟"
"نعم"، أجابت. "ستكون على ما يرام. لا تقلق من شيء. حدسي يقول لي إنك ستعيش حياة مديدة بعض الشيء".
"شكراً لك"، قلت.

بدأت الفرقة تعزف Auld Lang Syne
"الحادية عشرة وخمسة وخمسون دقيقة"، قالت، ونظرت إلى ساعة الذهب المعلقة في سلسلة. "أنا أحبّ حقاً Auld Lang Syne . هل تحبّها أيضاً؟"
"أنا أفضّل Home on the Range مع كلّ تلك الأيائل والظباء".
ابتسمت وقالت: "لا بد أنك تحبّ الحيوانات".
"نعم"، قلت. وفكّرت بصديقي الذي يحبّ حدائق الحيوانات، وببدلته التي كنت أستعيرها لحضور مراسم الجنازات.
"استمتعت بالحديث إليك. إلى اللقاء".
"إلى اللقاء"، قلت.
* *

لقد أطفأوا مصابيحهم لتوفير الهواء، وخيم عليهم الظلام. لم يتكلم أحد. كلّ ما كان بوسعهم أن يسمعوه في الظلام هو صوت الماء يقطر من السقف كلّ خمس ثوان.
حسناً، حاولوا ألا تتنفسوا كثيراً. لم يتبق لدينا كثير من الهواء"، قال عامل منجم عجوز. خفض صوته ليصبح همساً، لكن رغم ذلك كانت الأعمدة الخشبية في سقف النفق تصرّ قليلاً. في الظلام، تكوّم عمّال المناجم معاً، يجاهدون لسماع صوت واحد. صوت الفؤوس. صوت الحياة.
انتظروا ساعات طوال. بدأ الواقع يتبدد في الظلام. بدأ كلّ شيء يبدو وكأنه يحدث منذ زمن بعيد، في عالم بعيد جداً. أم أنه كان يحدث في المستقبل، في عالم بعيد مختلف؟
في الخارج، كان الناس يحفرون حفرة، يحاولون الوصول إليهم. كان أشبه بمشهد من فيلم سينمائي.

خالد الجبيلي
مترجم سوري مقيم في نيويورك




المصدر :: منتديات مجالس الوفاء ::{}{ المجالس الادبيه }{} :: مجلس الروايات { قصص و روايات } و الخواطر وعذب الكلام


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
هاروكي موراكامي قصة "كارثة المنجم في نيويورك" /بقلم عيون المها
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: >{}{ المجالس الادبيه }{} :: مجلس الروايات { قصص و روايات } و الخواطر وعذب الكلام-
انتقل الى: